كارين عبد النور

25 ألف نظام شغّال و150 تضاف يومياً... والمعايير آخر الأولويات

"هجمة" الألواح الشمسية تستبيح الأسطح والبيئة... والأرواح

25 تشرين الثاني 2022

02 : 00

تركيب عشوائي في مناطق مصنّفة
أن يسقط قتيل قبل أيام نتيجة خلاف حول تركيب ألواح شمسية فوق سطح أحد الأبنية في بلدة شحيم ليس تفصيلاً. نعرف عادة كيف تبدأ الفوضى لكن قلّما ندري إلام تنتهي. وفي ظلّ تواصل اجتياح الألواح تلك العشوائي للمساحات على أنواعها، هناك ما يُنذر بالسوء. ليس هذا وحسب. فغياب رُخَص التركيب ومعايير السلامة والتنفيذ معطوفاً على نشاط الشركات غير المصنّفة والتجهيزات غير المطابقة للمواصفات يجعل الخوف مضاعفاً. هل ندفع غالياً ثمن عشوائية «توفير» لا يردعها رادع؟





إشكال شحيم الدموي بات في عهدة القوى الأمنية. أما مخالفات تنصيب الألواح فعديدة وليست معالجتها في عهدة أحد، حتى اللحظة أقلّه. وبحسب الاستشاري في الهندسة الكهروميكانيكية، المهندس جاك غصن، تتلخّص أولاها بعدم حيازة صاحب المبنى على دراسة أو رخصة مُسبقة قبل المباشرة بالعمل. هي حالة لا تشكّل من حيث المبدأ خطراً كبيراً في القرى النائية حيث أن المباني تتكوّن عادة من طبقة أو طبقتين فقط لا غير. إلّا أنها تدعو للقلق في المدن إذ يتخطى عدد طوابق العديد من الأبنية الخمسة أو العشرة أو أكثر أحياناً. ولكم هنا أن تتخيّلوا ما قد يحصل بغياب تجهيزات تثبيت الألواح التي تقيها من اشتداد سرعة الرياح. ويضيف غصن في اتصال مع «نداء الوطن»: «وضع المركز اللبناني لحفظ الطاقة LCEC منذ 2019 معايير دراسة سرعة الهواء والحماية من الصواعق والكهرباء وغيرها»، متسائلاً إن كان ثمة من يراقب التطبيق. أما الإشراف على التنفيذ، فهو وجه آخر للمخالفات إذ إن الرخصة وحدها ليست حلّاً إن لم تقترن بالمتابعة من قِبَل الجهات المختصّة. والحال أن ما يزيد الطين بلّة هو الاستخفاف بأهمية تنصيب أنظمة الحماية من الصواعق من جهة وعدم الثقة بالبضاعة المستوردة – صينية كانت أم غيرها - كما ببعض التجّار من جهة أخرى، لغياب معايير الاستيراد الملائمة.

فادي جريصاتي



نعمة الشمس ونقمتها

يقول كثيرون إن ارتفاع أسعار المحروقات وثقب التغذية الكهربائية الأسود لم يترك للمواطنين - أو من استطاع منهم إلى ذلك سبيلاً - سوى خيار الركون إلى حلّ الألواح الشمسية. هذا صحيح إلى حد بعيد. لكن ماذا عن أخطار التركيب العشوائي؟ وزير البيئة السابق، فادي جريصاتي، رأى في حديث لـ»نداء الوطن» أن عدم الاعتماد على الشمس كمصدر للطاقة في بلدٍ مشمسٍ كلبنان هو جريمة بحدّ ذاته. فبالأرقام، يتخطى عدد الأيام المشمسة في أرض الكهرباء الموعودة الـ300 سنوياً. وهذا بنظر المختصّين حلّ مناسب، إن لم يكن مثالياً، لناحية الاستفادة من طاقة الشمس المجانية والمتجدّدة. للتأكّد، ليس عليكم سوى أن تسألوا الرازحين تحت نير المجازر الجماعية للتلوّث المنبعث من «دواخين» معامل الكهرباء والمولّدات المنتشرة بين البيوت والأحياء.

النقاش حول التوجّه إلى الطاقة الشمسية أو عدمه أمر مفروغ منه شرط أن يترافق مع الضوابط لا سيّما في ما خص السلامة العامة والبيئة، من وجهة نظر جريصاتي. «سمعنا عن بعض الحوادث الناتجة عن التركيب الخاطئ للألواح كون بعض الشركات غير مصنّفة... الله ينجّينا مما سينجم عن عواصف الشتاء بسبب الهياكل الحديدية العالية وغير المثبّتة بصورة صحيحة»، كما يقول. فخضوع العاملين في هذا المجال إلى دورات تدريبية ضرورة قصوى كما تصنيف الشركات المتخصّصة. هذا في ما يعني الألواح. أما البطاريات، فينصح جريصاتي باللجوء إلى الأصناف ذات الجودة محذّراً من أن يتحوّل عنصر الليثيوم الذي تحتويه البطاريات إلى قنابل موقوتة خاصة إذا ما وُضعت بالقرب من خزانات المازوت وفي غرف الـ»شوديار».

فهل من يراقب جودة الألواح والبطاريات؟ «من الضروري تصنيف البضاعة التي تدخل لبنان (grading)، وهو دور مناط بوزارة الاقتصاد ومصلحة حماية المستهلك وإدارة الجمارك»، يجيب جريصاتي. وتابع مطالباً نقابة المهندسين بوضع يدها على مسألة التشوّه الذي يصيب المناطق لا سيّما المصنّفة منها نتيجة التركيب العشوائي للألواح. كما دعا ختاماً المديرية العامة للتنظيم المدني إلى تحديد المعايير والارتفاعات الواجب الالتزام بها كي لا تُضاف مخالفات جديدة إلى مخالفات البناء الموجودة أساساً.

الرقابة غائبة



البيئة خط أحمر

إلى الأثر البيئي وما أدراكم ما البيئة المعذّبة في لبنان. في هذا الإطار، أشار جريصاتي إلى أن لكل مشروع كلفة بيئية لا بدّ من تكبّدها. لكن الأمور تُزان بميزان الربح والخسارة: «مهما بلغت الأضرار البيئية الناجمة عن ألواح الطاقة الشمسية، فهي لن تكون ذا وقع أسوأ من انبعاثات مولّدات الكهرباء». المشكلة الأخطر، كما يراها، هي في كيفية التخلّص من الألواح والبطاريات حين تصبح غير صالحة للاستعمال – علماً أنها (أي الألواح) أصبحت مؤخّراً صديقة للبيئة. فرميها في المطامر، كما هو حاصل حالياً، هو بمثابة خط أحمر وإلّا نكون أمام معضلة بيئية بالغة الخطورة.

جريصاتي استشهد بما حصل في ولاية كاليفورنيا الأميركية التي شهدت فورة تركيب ألواح شمسية قبل سنوات شكّل التخلص من المعدّات المرتبطة بها أزمة في حينه. ونبّه الى أن على وزارة البيئة إيجاد سياسة واضحة تنظّم عملية تلف وإعادة تدوير الألواح والبطاريات بعد انتهاء صلاحيتها تجنّباً لأزمة مماثلة. «لا يمكن التخلّي بالمطلق عن كهرباء الدولة لأن عملية تخزين الطاقة من خلال الألواح الشمسية لا تكفي لتأمين التغذية الكاملة ليلاً أو في أيام الشتاء. هي توفّر حوالى 60% من الاحتياجات كطاقة نظيفة وأقل تكلفة، حيث أن التحدّي ليس في إلغاء الاعتماد على كهرباء الدولة وإنما الحدّ من استخدامها»، كما ينهي.

بيار خوري



التهريب مرّ من هنا

فكرة الألواح ليست وليدة الساعة لكن تكالب الظروف في الآونة الأخيرة عزّز الحاجة إلى تفعيلها. رئيس المركز اللبناني لحفظ الطاقة، بيار خوري، لفت في اتصال مع «نداء الوطن» إلى أن وزارة الطاقة والمياه شرعت بالعمل على المشروع سنة 2010. «بدأنا بصفر طاقة شمسية في العام 2010 ووصلنا إلى 100 ميغاوات في العام 2020 ويُتوقّع أن تصل الكمية المنتجة مع نهاية العام الحالي إلى 450 ميغاوات. لكن اللبنانيين لم ينتبهوا لفوائد ذلك إلا بعد وقوع الأزمة وارتفاع فاتورة الكهرباء ما أحدث ثورة في هذا المجال».

نسأل مجدّداً عن فوضى التركيب. يقول خوري إنه جرى تنظيم العملية منذ 2019 من قِبَل وزارة الطاقة والمياه ومن خلال المركز اللبناني لحفظ الطاقة. وقد انعكس الأمر من خلال قرار صادر عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني رقمه 32/2019 حدّد كيفية تركيب الألواح على الأسطح. وقد سمح القرار بأن تعلو الألواح والهياكل الحديدية لغاية 3 أمتار عن مستوى السطح في الأبنية التي لا يتجاوز ارتفاعها 15 متراً، و4.5 أمتار في الأبنية الأخرى. لكن هل هناك التزام بالقرار؟ «يحصل ذلك في أحيان كثيرة مع وجود بعض المخالفات ومحاولات التحايل على القانون، وهنا يأتي دور القوى الأمنية في ردع تلك المخالفات»، بحسب خوري. ففي حين أن لا علاقة للبلديات في منح الرخص، كون تركيب الألواح محميّ بقرار من المجلس الأعلى للتنظيم المدني، غير أن دورها يتّصل بالمراقبة مثلها في ذلك مثل الأجهزة الأمنية. أما في ما يتعلّق بالرقابة على التجهيزات، يشير خوري إلى أن معظمها يدخل عبر المرفأ حيث يقوم معهد البحوث الصناعية بالتأكّد من مطابقتها للمواصفات المطلوبة. ويستطرد: «وصلتنا بعض المعلومات عن عمليات تهريب تحصل برّاً من الجانب السوري لكنها تبقى محدودة. فالبضاعة مضبوطة بمعظمها والدليل أن من أصل تركيب 25 ألف نظام تقريباً لم يُسجَّل إلّا حوالى 15 حادثاً فقط».



خبراء بالجملة

«الكل صار خبيراً في تركيب الألواح»، كما يتندّر البعض. فَلِمَن يلجأ المواطن في ظلّ التفلّت في سوق التركيب ولِمَ لا تُمنح التراخيص للشركات المتخصّصة؟ نطرح السؤال على خوري الذي يقرّ بعدم إمكانية حصر التراخيص بشركات معيّنة كون السوق اللبنانية «ليبرالية» الطابع. ويضيف: «كل ما يمكننا فعله هو التركيز على التدريب وبناء القدرات لدى المهندسين والتقنيّين كما توجيه النصح إلى المستهلك بالتعامل مع شركات ذات سمعة حسنة». إشارة إلى أن المركز اللبناني لحفظ الطاقة قام، بالتعاون مع مصرف الإسكان، بتصنيف الشركات بحيث بلغ عدد المصنّفة منها 53 وهي مدرجة على قوائم المصرف. خوري أضاء أيضاً على التعاون الحاصل حالياً، لناحية تلف وإعادة تدوير الألواح والبطاريات، مع وزارة البيئة والأمن الطاقوي الإيطالية لوضع خطة عمل تنفيذية ذات صلة. وهي خطة يؤمل أن تبصر النور خلال 18 شهراً كحدّ أقصى.

جاك غصن



مَن يحاسب مَن؟

الرجوع إلى الخلف بات مستحيلاً. لذا تمنّى غصن أن يجري التوقّف عن تقاذف المسؤوليات وتحمّلها بشكل جدّي حرصاً على السلامة العامة للمواطنين. «لا يمكن تحميل قوى الأمن الداخلي المسؤولية كاملة في عملية المراقبة خاصة وأنه يتمّ تركيب ما يزيد عن 150 نظاماً يومياً. ما يجب تفعيله هو الدور الرقابي للشرطة البلدية لغرض محاسبة المخالفين وضبط الأمور». وبما أنه لا يُفترض بالشرطي البلدي أن يكون ملمّاً بالقواعد الهندسية، يتمثّل الحلّ، بحسب غصن، بتحقيق التعاون بين البلديات واستشاريين يشرفون على عمليات التركيب كخطوة أساسية على درب تنظيم القطاع.

جيّد. لكن أكثر أيام الشتاء قساوة لم تحلّ بعد. وهناك خوف من أن تتضاعف الحوادث الناجمة عن عمليات التركيب العشوائي. صحيح أنها لا تزال قليلة نسبياً، لكن «لا بدّ من وضع الإصبع على الجرح وإيجاد حلّ جذري. فلا مجال لإعادة عقارب الساعة إلى الخلف. تصنيف الشركات كان يجب أن يحصل منذ البداية، لكن الدولة لم تتحمل مسؤوليّتها حينها ما راكم من منسوب الفوضى». وهذه القاعدة، للأسف، في بلد يُعتبر فيه تحمّل المسؤوليات استثناء في أفضل الأحوال.

المشاريع التطويرية بالمحصّلة موجودة، برأي خوري، لكنها بحاجة إلى تمويل خارجي. والتمويل الخارجي بحاجة إلى اتفاقية مع صندوق النقد الدولي. والاتفاقية تقترب خطوة لتبتعد خطوات. كل ذلك في كفّة والتشويه الذي يصيب الأبنية جرّاء التركيب غير المدروس في كفّة أخرى. حاولنا أن نستفسر من المديرية العامة للتنظيم المدني حول وجود آلية تحول دون ذلك، فأتانا الجواب بالنفي على أساس أن الملف برمّته بِيَد وزارة الطاقة. رب قائل إن للوزارة هموماً واهتمامات أخرى.وفي الغضون، الاستباحة – بشتّى أشكالها - تتواصل.