أولغا أوليكر

تجربة نساء أوكرانيا في القتال

28 تشرين الثاني 2022

02 : 01

متطوّعة أوكرانية في كييف - أوكرانيا، آذار 2022
تريد أوكرانيا أن تثبت للجميع أنها تخوض معركتها ضد روسيا بالاتكال على العنصر النسائي. يعلن المسؤولون بكل فخر أن خِمْس القوات الأوكرانية المسلّحة يتألف من النساء. ويشكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وكبار المسؤولين الآخرين جميع المدافعين عن البلد، رجالاً ونساءً، في مناسبات متكررة. وفي الصور والفيديوات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر الجنود الرجال وهم يطبخون، والنساء وهنّ يقاتلن، وجميع العناصر وهم يحضنون القطط والجِراء. في غضون ذلك، سافرت مجموعة رائدة من النسويات الأوكرانيات إلى العاصمة الأميركية واشنطن للضغط على البلد والمطالبة بالأسلحة. إنها ظاهرة إيجابية على مستوى المساواة بين الجنسَين وفاعلية القتال. لضمان التفوّق في صراعٍ أصبحت فيه سيادة البلد على المحك، يجب أن تستميل أوكرانيا ألمع العناصر وأكثرهم براعة، بغض النظر عن جنسهم. كذلك، يأتي الخطاب العسكري النسوي في أوكرانيا ليضع البلد في تناقض شديد مع روسيا التي تتبنى قيادتها نزعة ذكورية سامة. قبل انتشار التقارير عن إقدام الجنود الروس على اغتصاب الرجال والنساء والأولاد الأوكرانيين أو الاعتداء عليهم جنسياً، لطالما طرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه وبلده كجزءٍ مما يسمّيه التقاليد، مع أن الآخرين يضعون هذه النزعة في خانة الذكورية.




بعد أشهر من النقاشات مع عدد من المسؤولين والمحللين الأوكرانيين والغربيين (فضّلوا جميعاً عدم الإفصاح عن هويتهم كي يتمكنوا من التكلم بصراحة)، يبدو أن مزاعم الجيش الأوكراني حول اعتبار نفسه بطلاً في مجال المساواة بين الجنسَين لا تزال بعيدة عن الواقع. في المقام الأول، تشكّل النساء حوالى 9 أو 10% فقط من القوات المسلّحة، وهو نصف العدد الذي يتكلم عنه المسؤولون الحكوميون. يشير هذا التفاوت في الأرقام إلى مشكلة أكبر حجماً: على غرار عدد كبير من المجتمعات، تجد أوكرانيا صعوبة في التوفيق بين قوة نسائها وقدراتهنّ والمواقف البالية من أدوار الجنسَين.

كانت المرأة جزءاً محورياً من احتجاجات «الميدان الأوروبي» في العامَين 2013 و2014، وهي التحركات التي أسفرت عن سقوط الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش الذي أراد إلغاء صفقة مع الاتحاد الأوروبي مقابل توثيق العلاقات مع موسكو. لكن كانت التغطية الصحفية ورسائل الناشطين خــــــلال الاحتجاجـات تميل في معظم الأحيان إلى نشر صور نمطية تقليدية عن الجنسَين، فحصدت النساء في الخطوط الأمامية الإشادة بسبب جمالهنّ إلى جانب قوّتهن. يمكن رصد النمط نفسه اليوم في التعامل مع الجنديات: قبل بدء الغزو في شهر شباط الماضي، كان الجيش ينظّم مسابقات جمال للمجنّدات، حتى أنه اقترح تنظيم مسيرة للطالبات في الكلية العسكرية بالكعب العالي خلال استعراض عسكري.

بعد اندلاع حرب شاملة، بدأ المجتمع الأوكراني يتغير بسرعة غير مسبوقة. في ظل تصاعد أعداد الرجال في ساحة القتال، ارتفع عدد النساء اللواتي أصبحن اليوم ربّات للأُسَر. تضطلع المرأة أيضاً بأدوار رائدة لدعم القوات العسكرية والجهود الإنسانية. حين يتوقف القتال، قد تستلم أولئك النساء مناصب قيادية جديدة في عالم السياسة أو قطاع الأعمال. بعبارة أخرى، تحرص أوكرانيا على إعادة النظر بأدوار الجنسَين بطريقة جذرية، ما قد يسمح لها بتمكين عدد إضافي من مواطنيها وطرح نفسها كقدوة للبلدان الأخرى. لكن لتحقيق هذه الغاية، يجب أن يحسّن البلد أداءه لتطبيق شعاراته بطريقة عملية.

فتحت أوكرانيا جميع التخصصات العسكرية أمام المرأة، لكن بقي موقف الحكومة غامضاً بشأن نسبة النساء في قواتها العسكرية. وفق بيانات خبراء أوكرانيين مُطّلعين على هذا الموضوع، يبقى عدد النساء في الأجهزة العسكرية الأوكرانية الرسمية (بما في ذلك الجيش النظامي، وقوات الدفاع البرية، وحرس الحدود، وقوات الاستخبارات والنقل) أقل من 50 ألف عنصر. وبما أن عدد الرجال في القوات المسلحة ارتفع بوتيرة أسرع من النساء، تراجعت حصة المرأة في صفوف الجيش. يزعم زيلينسكي وفريقه أن عدد المجندين في الجيش الأوكراني يبلغ 750 ألف عنصر في الوقت الراهن. لكن حتى لو كان العدد الحقيقي للقوة الإجمالية أصغر حجماً، تبقى نسبة النساء في القوات المسلحة 8% تقريباً.

من بين النساء في صفوف الجيش، يقتصر عدد من يضطلعن بأدوار قتالية على 5 آلاف امرأة تقريباً، مع أن جزءاً كبيراً من الموظفات المدنيات، مثل المسعِفات والطاهيات، يتواجدن على مسافة قريبة من جبهات القتال وقد يواجهن خطراً مميتاً. في الوقت نفسه، تراجع عدد النساء في الحرس الوطني الأوكراني إلى النصف تقريباً منذ بدء الغزو الروسي. انخفضت هذه النسبة من حوالى 12% في كانون الثاني إلى أقل من 7% في تموز، وفق أرقام وزارة الداخلية الأوكرانية.

يمكن استدعاء جزء كبير من نساءٍ لا يخدمن في الجيش راهناً، لا سيما الفئة التي تعمل في القطاع الطبي أو في مِهَن مفيدة أخرى مثل الاتصالات وتقديم الطعام. حتى الآن، كان التسجيل في صفوف الجيش طوعياً للمرأة، وقد أجّلت الحكومة تسجيلاً إلزامياً للنساء لمدة سنة، حتى تشرين الأول 2023. في المقابل، تَسجّل الرجال فوراً، ما يعني أن التعبئة العسكرية تتعامل مع الرجال والنساء بطريقة مختلفة جداً. في المبدأ، يُمنَع جميع الأوكرانيين الخاضعين لقرار التعبئة من مغادرة البلد. لكن عملياً، سمح المسؤولون الأوكرانيون للنساء بالتنقل بكل حرية، لكنهم منعوا معظم الرجال من القيام بالمثل.

نتيجةً لذلك، كان معظم اللاجئين الهاربين من أوكرانيا (وصل عددهم إلى 8 ملايين لاجئ تقريباً) من فئة النساء. غالباً ما يتعرّض الرجال الذين يهربون بطريقة غير شرعية (لأنهم آباء لثلاثة أولاد أو أكثر مثلاً) لتعليقات ساخرة تُشكّك برجولتهم. كذلك يتّهمهم الأوكرانيون، رجالاً ونساءً، بالتخنث على مواقع التواصل الاجتماعي أو حين يقابلونهم مباشرةً. على صعيد آخر، يواجه الرجال النازحون داخل أوكرانيا صعوبة في استئجار المنازل أو إيجاد عمل لأن أصحاب الأملاك وأرباب العمل قد لا يثقون بإعفائهم من الخدمة العسكرية. قد تكون القصص المتداولة عن ارتكاب القوات الروسية أعمال عنف مبنية على التمييز الجنسي بحق المدنيين وسجناء الحرب الأوكرانيين مؤكدة في معظمها، لكن يتداول البعض أيضاً قصصاً مشابهة عن جرائم ترتكبها القوات الأوكرانية بحق سجناء الحرب الروس، مع أن هذه الادعاءات تبقى قليلة وغير مثبتة بشكل عام. تتعهد القوات الأوكرانية المسلّحة بالتعامل مع كل من يقرر الاستسلام بطريقة إنسانية. يَعِد الأوكرانيون بالالتزام ببنود اتفاقيات جنيف، ما يعني السماح للأسرى بتلقي مساعدة قانونية من المنظمات الدولية والتواصل مع أفراد عائلاتهم.

عند الترويج لدور المرأة في القوات الأوكرانية المسلّحة، يميل المسؤولون ووسائل الإعلام إلى نشر صورٍ تسلّط الضوء على أنوثة الجنديات. غالباً ما تظهر الجنديات مع شعر طويل على شكل ضفائر، ومكياج خفيف، ووضعيات فاتنة، حتى لو كنّ يحملن سلاحاً مضاداً للدبابات. في الوقت نفسه، تشتكي الجنديات من نقص المعدات بأحجام تناسبهنّ وصعوبة تلقي التعليم العسكري والاستفادة من برامج التدريب.

تبرز أيضاً أدلة قديمة على حصول حالات تحرّش واعتداء جنسي في القوات المسلحة الأوكرانية. تذكر تمارا مارتسينيوك من مشروع «الكتيبة الخفية» (منظمة توثّق مشاركة النساء في الجيش الأوكراني) أن ناجيتَين فقط حتى الآن تسعيان إلى تحقيق العدالة عبر النظام القانوني الأوكراني بعد تعرّضهما للاعتداء الجنسي في صفوف الجيش، ما يعكس صعوبة أن يتعامل الجيش والسلك القضائي بجدّية مع هذا النوع من الشكاوى.

قبل بدء الغزو في شباط، أقنع الناشطون مسؤولين عسكريين أوكرانيين بإنشاء شبكة فيها أكثر من 400 مستشار لمناقشة مسائل متعلقة بالتمييز بين الجنسَين. لكن يقول أحد المستشارين إن هؤلاء الأفراد تعرّضوا للإقالة أو التهميش الآن.

مع ذلك، تكشف استطلاعات الرأي أن الأوكرانيين بشكل عام أصبحوا أكثر ترحيباً بالنساء والمثليين في صفوف الجيش خلال السنوات الأربع الماضية. حتى أن بعض العناصر يضع رقعة من صنع جنود مثليين يريدون إعلان هويتهم. لكن صرّح آخرون للصحفيين بأنهم يعزلون أنفسهم في وحداتهم، ويقول بعض المتحولين جنسياً إنهم يعجزون عن الانضمام إلى الجيش لأنه لا يعترف بجنسهم.

قد يكون خطاب كييف عن المساواة بين الجنسيَن مؤشراً على التقدّم الحاصل في هذا المجال، لكن بالغ المسؤولون الأوكرانيون في التشديد على دور المرأة في الجيش تزامناً مع امتناعهم عن تلبية حاجات الجنديات. إذا عجزت أوكرانيا عن تشجيع قواتها المسلّحة على الترحيب بالنساء والأوكرانيين المثليين جدّياً، ستحرم نفسها من مهاراتهم، وتُعرّض الجنود في الخدمة للمضايقات وسوء المعاملة، وتُضعِف جزءاً من حُسن النوايا الدولية التي حصدها البلد بفضل ميله المتزايد إلى دعم الحركة النسوية. لتحقيق النجاح، يجب أن يعالج الجيش الأوكراني المشاكل التي يواجهها الجنود من الجنسَين، بدءاً من غياب المعدات المناسبة وحالات الاعتداء الجنسي، وصولاً إلى اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب.

تتعامل الجيوش الغربية حتماً مع جزء كبير من التحديات والنقاشات نفسها. في غضون ذلك، تخوض أوكرانيا حرباً شرسة للحفاظ على وجودها. لكن لبناء جيش معاصر بمعنى الكلمة، لا تحتاج أوكرانيا إلى أحدث الأسلحة فحسب، بل يجب أن تطبّق مقاربات متطورة لتجنيد أفضل العناصر والاحتفاظ بهم. لن تكون المقاربة التي تراعي الجنسَين طريقة صائبة بكل بساطة، بل إنها ضرورية لمستقبل البلد. من المتوقع أن تصبح المرأة الأوكرانية التي تشكّل اليوم حجر أساس لحركة المقاومة، داخل صفوف الجيش وخارجه، محور الجهود الرامية إلى إعادة بناء البلد مستقبلاً. وإذا ألحقت كييف خطاباتها بأفعال ملموسة، قد يصبح الجيش انعكاساً لمجتمعه، ويردّ المعروف إلى أبطاله، ويشكّل نموذجاً لامعاً للعالم أجمع.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.