رفيق خوري

لاعب الشطرنج ولاعبو الداما

3 كانون الأول 2022

02 : 00

معركة الرئاسة تنتقل من تكبير الدور الداخلي في صنع الرئيس الى تكبير الدور الخارجي. وهما عملياً مترابطان، بحيث يصعب حتى على اللاعبين أن يحددوا أين يبدأ الدور الداخلي وينتهي الدور الخارجي، وبالعكس. وفي الحالين، نوع من توظيف الفراغ ومعاناة الناس في تحقيق أهداف أكبر من الرئاسة. تكبير الدور الداخلي إصطدم بعجز مزدوج: لا طرف يستطيع المجيء بالرئيس الذي يريد. وكل طرف مضطر لتجميع الأصوات النيابية وضمان دعم قوى إقليمية ودولية لمرشح رأسماله محدود. وتكبير الدور الخارجي يصطدم بشبكة من المصالح المعقدة والإهتمامات المتفاوتة للدول، الى جانب المبالغة في القراءات والرهانات.

القراءات في سياسات الدول بأقل قدر من التمييز بين خطاب هذه الدول وبين سياساتها ومصالحها الحقيقية. والرهانات على أي تحرك: من حركة السفراء في بيروت، وهي مجرد قيام بوظيفة، الى زيارة أي مسؤول للعاصمة اللبنانية. ومن بكائيات الرئيس نجيب ميقاتي في قمة الجزائر الى رهانات جبران باسيل على قطر، والإتصالات الفرنسية - الإيرانية، والسعي العراقي لإستكمال الحوار بين الرياض وطهران، وأي خبر من موسكو، وأي طموح في دمشق، وأي همسة في السعودية، وماذا يفعل الفاتيكان وتفعل مصر، وصولاً الى محادثات البيت الأبيض بين الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. حتى حرب أوكرانيا التي لا أحد يعرف كيف يكون النظام الأمني في أوروبا والنظام العالمي بعدها، فإن في بيروت من يوحي أنه يعرف كيف ستخرج روسيا وأميركا وأوكرانيا وأوروبا منها وما الذي ستفعله للبنان. ولا حدود للخيال.

لكن السؤال الذي لا مهرب منه هو: ما الذي يتغير بشكل ملموس، سواء جاء «حزب الله» بالرئيس الذي يريد، أو جاء خصومه بالرئيس «السيادي» الذي يريدون، أو جاءت التسوية برئيس؟ الواقع هو الجواب: الشغور الرئاسي، على مخاطره، مشكلة في كارثة أخطر هي فراغ الدولة. والأخطر منهما معاً هو زوال التمييز الذي كان لا بد منه في البداية بين شرعية الدولة و»المقاومة الإسلامية»، بحيث إختفى الهامش الصغير الذي بقي حتى في الشكل. فما الذي يفعله ملء الشغور الرئاسي في فراغ الدولة؟ أليست الرئاسة معركة في حرب أكبر هي ملء فراغ الدولة؟

أكثر من ذلك، فإن لبنان المنكوب بالشغور الرئاسي وفراغ الدولة وإفقار الشعب وإذلاله بقوة الأزمات محكوم بأن يحمل أثقال الدور الإقليمي الذي يقوم به «حزب الله» في سوريا والعراق واليمن وغزة حيث «العمق الإقليمي للإستراتيجية الإيرانية» حسب المرشد الأعلى علي خامنئي. وهو دور يضع لبنان في مشكلة مع أشقائه العرب وأصدقائه الدوليين، ويساهم في تعاظم الأزمات الوطنية والسياسية والإقتصادية والمالية الداخلية، كما في حماية «الستاتيكو» الخطير ومنع التغيير. فضلاً عن أن جمهورية الملالي في إيران تعمل في لبنان 24 على 24 ساعة، في حين يعطي أشقاء لبنان وأصدقاؤه أقل من ربع ساعة في اليوم للإهتمام به. لاعب شطرنج ولاعبو داما.

ينقل الرئيس ريتشارد نيكسون في كتابه «قادة» عن الجنرال دوغلاس ماكارثر قوله:»يمكن إختصار تاريخ الفشل في الحروب بكلمتين فقط: متأخر جداً. وهذا ما ينطبق علينا وعلى أشقائنا وأصدقائنا في الحرب السياسية.