إن أردتم التمتع بفيلم غير تقليديّ وناجح بالمواصفات كافة لا بدّ من مشاهدتـكـــــم
The Swimmers (السبّاحتان) الرائع المعروض على "نتفلكس". يروي الفيلم قصة يسرى وسارة مارديني- (تؤدي أدوارهما الشقيقتان اللبنانيتان ناتالي ومنال عيسى)- الساكنتين في داريا بضواحي دمشق مع والدهما مدرّب السباحة الطموح الذي كان يحضّر يسرى للمشاركة في بطولات عالمية في دبي وتركيا باسم الفريق الوطني. تندلع الحرب الأهلية السورية في آذار 2011، فتصبح حياة العائلة مُهددة مع توالي جولات القتال والقصف والتدمير والبطش المسلّح. يساق والد الفتاتَين، عزت، من منزله ويتعرّض للتعذيب بسبب خطأ في تحديد هويته.
يزداد عدد الضحايا كل يوم وتتكاثر الاخبار عن هرب الناس الى ألمانيا بحثاً عن الأمان، ولكن الوالد يرفض المغامرة ويصرّ على البقاء في البلاد الى أن تقع قنبلة في حوض السباحة أثناء تدّرب ابنته يسرى فيه. لا تنفجر القنبلة ولكن ذلك كان كفيلاً باتخاذه قرار إرسال ابنتيه إلى أوروبا هرباً من جحيم الوطن.
تركب الشقيقتان في مركبٍ مطاطي صغير في محاولة لبلوغ أوروبا من الساحل التركي. المركب لا يتّسع لأكثر من سبعة أشخاص لكنه شمل 18 لاجئاً آخر.
عند وصول المركب إلى نصف بحر إيجه، يتباطأ المحرك فتتدفق المياه إلى جوفه. تقفز سارة ويسرى وشخصان آخران الى البحر لتفادي غرق المركب، ويسبحون بالقرب منه لثلاث ساعات في مياه بالغة البرودة.
يصل المركب إلى جزيرة "ليسبوس" اليونانية وينجو جميع الركاب بعدما جمعتهم المحنة والمصاب الأليم.
تصل الفتاتان بعد معاناة ورحلة شاقة الى ألمانيا، حلم كل لاجئ، خصوصاً أن المستشارة الالمانية في حينها أنجيلا ميركل كانت تحتضن اللاجئين باستقبالٍ حار وتقدّم لهم كلّ عون ومساعدة.
تحنّ يسرى الى ماضيها فتقصد نادي السباحة المجاور لمراكز اللاجئين طالبة من المدرب سفين سبانينكريبس تدريبها لأنها تحلم بالمشاركة باسم بلدها في الالعاب الاولمبية. يشرح لها المدرب أنّها لا تستطيع تحقيق كلّ حلم يخطر في بالها. ولكن اندفاع الفتاة يجعله في نهاية المطاف يعرض عليها المشاركة في ألعاب "ريو" الأولمبية للعام 2016 ضمن فريق مخصّص للـ"اللاجئين". ترفض يسرى في البداية ثم تذعن بما أنه السبيل الوحيد لتمثيل بلدها بشكل من الاشكال وإن في فريق من اللاجئين فتفوز بالسباق محققة حلم والدها ومبرهنة بأنّ الالم قد يصنع المعجزات.
أجمل ما في الفيلم هو سرده الذكي والدقيق لجميع الأحداث بإخراجٍ رائع لسالي الحسيني يخفّ فيه الكلام لصالح المشهد البصري المعبّر، عارضاً اللحظات السيئة والخطرة من رحلة الشقيقتَين، كجشع المتاجرين باللاجئين ومشهد الخوف من غرق المركب، وحادثة الاعتداء الجنسي الذي تتعرّض له يسرى من أحد المهرّبين، بالاضافة الى لحظات هي قمة في الانسانية كأواصر العلاقة المتوطدة بين لاجئين من جنسيات مختلفة.
وينقل الفيلم كذلك العلاقة بين الشقيقتين والنزاع القائم بينهما بفعل تمتع يسرى بموهبة أكبر ما جعلها المفضلة لدى أبيها. تعود سارة الى "ليسبوس" لمساعدة اللاجئين وكأنها بذلك تعطي قيمة لحياتها وتسعى لإثبات ذاتها بعيداً عن شقيقتها، لتعتقل لاحقاً عند مشاركتها في نشاطات خاصة باللاجئين وتتهم بالتجسس والتهريب والانتماء إلى منظمة إجرامية ويعرض مقطع صغير في نهاية الفيلم عملية اعتقالها.
تتخصص يسرى اليوم في صناعة الأفلام والتلفزيون بجامعة جنوب كاليفورنيا ويتابعها 360 ألف شخص على "إنستغرام" ولم تتوقف يوماً عن السباحة. تأهّلت يسرى لتمثيل الفريق السوري في الألعاب الأولمبية في طوكيو، في العام 2020، لكنها اختارت تمثيل فريق "اللاجئات" الذي انضمّت إليه مجدداً للمشاركة ببطولة العالم للسباحة في "فيينا" للعام 2022، في بودابست، وهي تكرّس وقتها للدفاع عن حقوق اللاجئين. "أمثّل سوريا دوماً في كل ما أفعله لكنّ صفة اللاجئة أصبحت هويتي الآن"، تقول السباحة الماهرة. </span>كتبت يسرى سيرتها الذاتية في العام 2018 بعنوان Butterfly: From Refugee to Olympian, My Story of Rescue, Hope and Triumph (فراشة: من لاجئة إلى لاعبة أولمبية، قصة انقاذ وأمل وانتصار).
هي اذاً قصة الملايين بلغةٍ حقيقية بعيداً عن زيف التمثيل. إخراج رائع وتمثيل متقن الى أبعد الحدود وتكريمٌ مميز لقصص اللاجئين الحزينة.
«لا يهدف الفيلم إلى سرد قصتي فحسب بل هي قصة الملايين من اللاجئين ونريد أن يكون وقعه شديداً على العالم أجمع»، تؤكد يسرى.
أما نحن فنقول لها بالفم الملآن: «لقد أصبت الهدف!». لا تدعوا هذا الفيلم يفوتكم!