مسلسل لا ينتهي
نفق سليم سلام

إصطدام ثلاث سيارات في نفق سليم سلام يتسبّب بزحمة سير خانقة كما أفادت غرفة التحكّم المروري. نفق سليم سلام مقفل لثلاثة أيام من السادسة مساء حتى السادسة صباحاً، يرجى من المواطنين التقيّد بتعليمات رجال الأمن. نفق سليم سلام خبر يومي، النفق البيروتي مسلسل على حلقات فمتى الحلقة النهائية؟

أمرٌ لا يصدق، تقود سيارتك داخل نفق سليم سلام بكل سلاسة من دون أن تقفز أو تهتز لتشعر أنك في مدينة الملاهي طالعاً فوق جسر نازلاً في منحدر خطير. أخيراً تمّ تزفيت الطريق وتسويته ولم يعد مائلاً، ليصبح بالفعل طريقاً معترفاً به. لكن النفق الشهير قد يقطع مجدداً، وهذا ما اعتدنا عليه منذ سنوات. ولقطع الشك باليقين أكد نائب رئيس بلدية بيروت، المهندس إيلي أندريا لـ "نداء الوطن" أن صيانة النفق باتت في مرحلتها النهائية، وستنتهي أعمال الصيانة بعد أيام قليلة". هي بشارة يكاد لا يصدقها سكان العاصمة وعابرو النفق.فلطالما فاجأتهم أثناء مرورهم عبارة "نأسف لإزعاجكم" معلنة عن إقفال نفق سليم سلام.


اعتاد اللبنانيون منذ أعوام على الإقفال المتكرر وشبه المستمر لنفق سليم سلام، وتحويل السير منه باتجاه طرق فرعية. ما دفع المواطن للتساؤل قبل عبور شارع رئيسي في العاصمة: هل الطريق سالكة؟ فمن كان يتجه سهواً نحو نفق سليم سلام قبل التأكد من عدم قطعه، اضطر لتحمل نتيجة إهمال البنى التحتية لسنوات طوال، والانتظار وسط زحمة السير على طريق يفترض أن يختصر المسافات.


وكما هي الحال في التعامل مع كل مصائبه حوّل اللبناني معاناته مع النفق إلى نكات ينشرها على مواقع التواصل الإجتماعي، كأسلوب للتخفيف من ضغوطاته اليومية. كما صوّر البعض شريطاً مصوّراً يعبّر فيه بسخرية عن حال النفق أثناء القيادة في داخله، ومن يدري ربما سيصوّر هؤلاء شريطاً جديداً يباركون فيه للبنانيين بالحلة الجديدة للنفق. وربما ينتظر اللبنانيون الإعلان الرسمي عن انتهاء أعمال الصيانة التي ملّوا منها. ويستحق انتظار اللبنانيين لسنوات افتتاحاً رسمياً للنفق مع حفل كوكتيل، نظراً للمدة الزمنية التي تطلّبها والتكلفة العالية وكذلك تضحية اللبنانيين بأعصابهم وأوقاتهم بانتظار صيانة "سليم سلام".


فقد لزّمت بلدية بيروت أعمال الصيانة للمتعهد الشهير جهاد العرب عبر شركته "الجهاد للتجارة والمقاولات" منذ شهر كانون الثاني من العام 2018، بكلفة بلغت نحو 8.4 ملايين دولار من أجل صيانة نفق يبلغ طوله نحو 800 متر. يومها شكل الرقم صدمة ألهت المواطنين عن الفرحة بإعلان صيانة النفق "الصيانة الكبرى" المنتظرة التي طالما طالبوا بها. وانصرف اللبنانيون إلى احتساب كلفة صيانة المتر الواحد من النفق، كلفة قدرت بنحو 10 آلاف دولار، واعتبروها كلفة مرتفعة جداً بل تتجاوز كلفة بناء نفق جديد. وقد دفعت الضجة التي أثارها ارتفاع كلفة التلزيم، بوزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد في حينها، نقولا تويني، الى التقدم بادعاء أمام المدعي العام التمييزي "من أجل جلاء الحقيقة أمام الرأي العام وإماطة اللثام عما اذا كان هناك موضوع هدر أو سوء تلزيم من عدمه". لكن الوزير كما الوزارة ذهبا ولم يمط اللثام عن أي حقيقة. بل كان الرهان على نسيان الناس للقضية في مكانه.


اليوم يكاد مسلسل النفق ان ينتهي، لكنه ربما يتجدّد طارحاً مشاكل جديدة في مدينة تتفاقم فيها أزمة المواصلات، فيما تستمر بالتوسع ويستمر عدد المركبات فيها بالازدياد. لكن تجاوز المتعهد للمهلة الزمنية المحددة في دفتر الشروط بعام واحد لإنجاز صيانة النفق، يطرح تساؤلاً عن مدى التزامه ببقية البنود وعن آلية مراقبة التنفيذ. خصوصاً وأن بلدية بيروت، الجهة التي عهدت إلى الشركة أعمال الصيانة، لم تسائلها في ما خصّ تجاوز المدة المحددة.


وهنا يشير أندريا الى أن لا صلاحية للبلدية في مراقبة الأعمال الواقعة في نطاقها ومدى التزام المتعهد بدفتر الشروط، "فالمراقبة ليست من صلاحية البلدية، إنما من صلاحية المحافظ، فالبلدية سلطة تقريرية".
غير أن أكثر الإجابات إقناعاً، حول سبب التأخر في إنهاء أعمال الصيانة، قد تكون إجابة النائب السابق محمد قباني الذي رأس لجنة الأشغال العامة والنقل لنحو 18 عاماً، "ففي هذا البلد تنتهي المسألة التي تحتاج أسبوعاً بعد شهر، فلا فعالية كافية في عملية الإنتاج" يقول قباني لـ"نداء الوطن". ويعترف النائب السابق بحق الناس في أن تشكو، لكنه لا يحمّل بلدية بيروت ومجلس الإنماء والإعمار كامل المسؤولية. "فنفق سليم سلام شريان أساسي خصوصاً للقادمين من الجنوب والمطار وبالاتجاه المعاكس، والمشكلة في فقدان التوازن في عدد السيارات الذي يفوق قدرة بيروت الاستيعابية".


وعلى الرغم من عمله سنوات طويلة في رئاسة لجنة الأشغال، يشكو قباني من عدم إيجاد حلّ جدّي لمسألة النقل العام حتى الآن. "فالشكوى من الازدحام أمر طبيعي، وحتى الآن لم يتمّ إيجاد حلّ جدّي لمسألة النقل العام". ويتحدث النائب السابق عن محاولاته لإيجاد حلّ لمشكلة النقل العام، حيث سافر مع زملاء له بدعوة من البنك الدولي إلى مدينة اسطنبول التركية للاطلاع على مختلف وسائل النقل الموجودة فيها واختيار تلك التي تناسب لبنان.
"تم اختيار الحافلات سريعة التردد brt، وهي عبارة عن باصات كبيرة متصلة ببعضها تسير على عجلات ضمن خطّ مغلق. واخترنا إنشاء خط يصل بيروت بالشمال، كما ارتأينا أن تصل الحافلات في بيروت إلى منطقة عين المريسة، لتدخل باتجاه شارع إبن سينا وصولاً إلى مبنى قباني كي لا تكمل سيرها باتجاه الكورنيش، حتى لا تسبب مشكلة لرواده. أما داخل بيروت فاخترنا مشروع باصات صغيرة".
ويؤكد قباني أن هذه التقنية أقرت وأحيلت إلى مجلس الإنماء والإعمار. ورداً على سؤال حول مصير المشروع الذي أقرّته الحكومة، يجيب قباني أن المشكلة الأساسية في لبنان تكمن في عدم تنفيذ القوانين.


قصة النفق بدأت
منذ نهاية الستينات

وفيما تماطل الجهات المعنية في تطوير النقل العام في ظل التضخم في عدد السيارات، يرجح أن يستمر بل وأن يزداد الضغط اليومي على نفق سليم سلام. ما يعني ربما حاجته المستمرة لأعمال صيانة في فترات متقاربة، وما يعني أيضاً أننا قد لا نشهد نهاية لمسلسل قطعه المتكرر. وبالعودة إلى التاريخ القريب للنفق، فقد أقفل خلال السنة والنصف الماضية «بالتقسيط».
فمرة أقفل النفق من أجل تركيب الإضاءة، والمستغرب أنها كانت إضاءة جيدة، فبات بإمكان السائق رؤية الطريق أمامه أثناء القيادة، وهي نعمة نادرة الحدوث في لبنان. ومرة أقفل النفق من أجل تركيب التهوئة، ومن أجل تبليط الجدران وغيرها من أعمال الصيانة الروتينية.


وقد شكّل سوء حال النفق تهديداً فعلياً للسلامة العامة وحياة سالكيه، وسبّب حوادث سير كثيرة سقط في خلالها قتلى وجرحى. فالنفق ظل مظلماً لسنوات طويلة، وافتقد للتهوئة حيث كان يعبق في داخله دخان السيارات، مسبّباً حالات ضيق تنفس لكل من كان يعلق في داخله. أما أرضية النفق فكانت حتى الأمس القريب مائلة، وكان على السائق السير ببطء كي لا تتضرر أو تنحرف سيارته.
ومن المفترض وفق أندريا، أن يزول الخطر الذي كان يهدد حياة الناس داخل النفق، «شرط الالتزام بقانون السير، فالنفق أضيء وجرى تحسين الطريق».


لكن معاناة بيروت من النفق ليست جديدة، إذ سبّب النفق مشكلة لسكانها حتى قبل إنشائه في العام 1972. حيث جرى شق طريق سليم سلام في منطقة كانت مأهولة. بعدما أخرجت الدولة السكان من بيوتهم مقابل تعويضات مالية، فانتقلوا إلى مناطق أخرى.


ومن بعدها جرت توسعة طريق سليم سلام وأنشئ النفق. وتسبّب شق الطريق بتغيير ملامح منطقة المصيطبة، وقسمها إلى منطقتين لكنه في المقابل اختصر المسافة من الجنوب إلى بيروت. و»النفق الشهير» تناوله المخرج مارون بغدادي في سياق فيلمه الروائي «يا بيروت» العام 1975 حيث عرض رد فعل السكان الذي رافق إنشاء طريق سليم سلام وتأثيره على المنطقة. وتناول بغدادي في فيلمه قصة إخلاء مبنى في المنطقة تمهيدا لهدمه بغية تشييد الطريق الذي شطر حي المصيطبة إلى قسمين في أواخر الستينات.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.