في نظام المحاصصة والتسويات، هامش التركيز على الأمور الإقتصادية ضئيل. فما ان باشر أركان النظام بمناقشة الموازنة، واستبشرنا خيراً واستبشر العالم معنا أن شيئاً من العمل الجدي ممكن، حتى فجأة صار الإنزلاق إلى "هاوية قبرشمون" حيث لا إصلاح ولا إنقاذ إنما تبديد لكل أمل بأن الخروج من النفق ممكن.
السير على طريق الإصلاح متعب ومضنٍ وهذه الحكومة نفسها قصير. "ماراتون" الإصلاح لا يستهويها، هو قليل الإثارة. أبطال نظام المحاصصة يفضلون الركض في ملاعب أخرى، معتادين عليها كملاعب الطوائف مثلاً. هناك تلاقيهم الجماهير والنفوس المشتعلة. هم يؤثرون لعبة الطوائف على أي شيء آخر، يتقنونها خير إتقان، إمتهنوها عبر السنين، أولم يبلوا بها حسناً خلال الإنتخابات الأخيرة فانتزع كل حصته الوازنة من السلطة؟
وحتى لو لم ننزلق إلى حرب، وغلب صوت الداعين إلى التهدئة؛ حتى لو تم احتواء الفتنة، حادثة قبرشمون الدامية بددت التركيز على الأولويات. ودفعت بالبلد الصغير على رصيف الإنتظار. "حكومة إلى العمل" والتي عقدت عليها الآمال في الداخل والخارج توقفت عن العمل. لكن للإنتظار كلفة. لان للوقت قيمة.
تتوالى المؤشرات عن الوضع الإقتصادي والمالي ومن أخطرها تراجع ميزان المدفوعات الذي بلغ للأشهر الخمسة الأولى من العام 2019 ما قيمته 5.2 مليار دولار. إنه نزيف خطير. يحاول المركزي تضميده، يبتدع هندسات مالية. ولكن الهندسات المالية لا تعالج الأمور في عمقها. في أحسن الأحوال تؤجّل الاستحقاقات، تشتري الوقت. ولكن شراء الوقت ليس من دون ثمن. وغياب الإصلاح دونه أثمان.
الهندسات المالية والتي بدأ يحذر من استمرارها المجتمع الدولي (تقرير المجموعة الأوروبية عن لبنان، حزيران 2019) لا يمكن أن تحل مكان الإصلاحات الهيكلية المطلوبة وعلى رأسها تقليص العجز الفعلي وليس الصوري والذي يمر حتماً بإعادة التوازن ما بين حجمي القطاعين العام والخاص ولا يجعل من الأول عبئاً خانقاً على الثاني.
ثم أين خطة "ماكنزي"؟ تلك الخطة الهادفة إلى تعزيز القطاعات التصديرية وجذب العملة النادرة إلى الإقتصاد. نعم هي المقاربة المناسبة لمعالجة الخلل الهيكلي المتمثل بعجز ميزان المدفوعات. لم نسمع حتى اليوم وبعد مرور عام على إقرارها أنها أخذت حيزاً من النقاش في مجلس النواب. هي المدماك الرابع لخطة سادر الإنقاذية وركن البيان الوزاري للحكومة الحالية. كان من الضروري ربطها بالموازنة عبر سلة من الإصلاحات والمحفزات من أجل إطلاقها وإدخالها حيز التنفيذ...ربما يوم يعودون "إلى العمل".