رفيق خوري

سياسة الرهان على الأوهام

3 دقائق للقراءة

التعطيل ليس مجرد شغور في رئاسة الجمهورية. ومضاعفاته لا تنتهي بمجرد إنتخاب رئيس. ولا شيء يوحي أن محور التعطيل يتوقف أمام سؤال لا مهرب منه: الى اي حد ومن أجل ماذا يمكن الإستمرار في لعبة التعطيل؟ ولا احد يعرف بالفعل، وفي الطليعة أهل التعطيل وسط كثرة التصورات والرهانات على تحولات دراماتيكية، كيف ستكون صورة لبنان في المشهد الإقليمي والدولي الغامض حتى الآن والذي سيظهر بعد حرب أوكرانيا. لكن الوقت حان للتوقف عن إدمان التعلق بحبال الهواء في واقع أخطر من الكوابيس. حان الوقت للخروج من ثلاثة أوهام هي في النهاية واحد.

الوهم الأول هو بناء قصور على الرمال في الإشارات الصادرة عن الوضع اللبناني في اللقاءات والمؤتمرات الإقليمية والدولية. من إشارة البيت الأبيض بعد قمة الرئيسين الأميركي جو بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون الى إشارات البيانات التي صدرت مؤخراً عن قمم الرياض الثلاث خلال زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ، مروراً ببيانات مجلس الأمن وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة وبيان القمة العربية في الجزائر وسواها. فهي تكاد تكون نسخة واحدة قوامها حث القيادات اللبنانية على المسارعة الى انتخاب رئيس وتأليف حكومة فعلية وإجراء الإصلاحات الضرورية والتوقف عن إلحاق الأذى بدول في المنطقة، لبدء التعافي. وهي تطلب من أهل الأزمة إيجاد حل لها لكي يساعدنا الأشقاء والأصدقاء. وهذا بقي صوتاً صارخاً في البرية.

الوهم الثاني هو ترك الحمل على الفاتيكان وماكرون في بذل المساعي، وتصوير المأزق في لبنان كأنه مشكلة لفرنسا وأميركا والسعودية وإيران وروسيا، لا مشكلة نحن أهلها وضحاياها. فليس من المعقول الإتكال على حراك الآخرين لإنقاذنا بدل أن نتحرك نحن لإنقاذ أنفسنا. ولا من المقبول أن نتجاهل أولويات الدول ومصالحها، ونتصور أن الوقت مفتوح أمامنا بلا حدود وأن اهتمامات الدول بنا لن تتغير حين تقع أحداث مهمة يتركز عليها الإهتمام، بحيث نضيّع الفرصة السانحة ونبقى في العراء.

والوهم الثالث هو الرهانات على خوف الدول من انهيار الأوضاع في لبنان وتأثير ذلك على مصالحها كما على اللعبة الجيوسياسية في المنطقة، لكي تسارع الى ترتيب تسوية تحافظ على البلد. فهذه الرهانات باتت في الماضي، لأن الإنهيار حدث ويكاد يكتمل من دون أن تتبدل اللعبة في الشرق الأوسط. وهناك قوى في الإقليم لها أنصار في لبنان تراهن على الإنهيار الكامل لتصبح يدها حرة في البلد مئة بالمئة، أو أقله لتوظيف الأزمة في خدمة مشروعها الذي يواجه اليوم تحديات في الداخل الى جانب التحديات المستمرة في الخارج. وهذا وهم مسلّح.

لكن مواجهة الحقائق تبدو مهمة صعبة على ضحايا الشغور الرئاسي كما على المستفيدين منه. صعبة على الذين ساهموا في سياسات خنق لبنان من أجل طمأنة «المقاومة الإسلامية». صعبة على الراكضين وراء المناصب ولو في مقبرة وطنية. وصعبة على كل الذين يمارسون سياسات ما سماه لينين «مرض الطفولة اليساري» وما سبقه ورافقه من «مرض الطفولة اليميني»، حيث السياسة ثرثرة في فراغ رهيب ولعب هزلي بمصير البلد.

يقول أوسكار وايلد:»أعطه قناعاً لتعرف وجهه الحقيقي». لكن تعدد الأقنعة التي هي عدة الشغل عند التركيبة الحاكمة والمتحكمة جعل من الصعب التمييز بين الوجوه والأقنعة.