وليد شقير

العاقبية... وأوراق ميقاتي

4 دقائق للقراءة

في خضم حاجة لبنان إلى المجتمع الدولي يقع حادث قتل جندي من الوحدة الإيرلندية العاملة في عداد قوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان، ليضع البلد أمام مخاطر النبذ من قبل الدول التي تهتم بإعادة الثقة إليه.

يجيء الحادث الذي ينتظر جلاء التحقيقات في شأنه، بينما المخاوف تزداد من أن يدير الخارج ظهره لأزمة لبنان ولا سيما الفراغ الرئاسي، بسبب انشغاله بأزمات يعتبرها أكثر خطورة وأكثر تأثيراً من النواحي السياسية والاقتصادية والمالية، بعد حرب أوكرانيا، من تأثير أزمة لبنان عليه، رغم كل العوامل الجيوسياسية التي حرّكت الاهتمام الدولي والإقليمي بالبلد الصغير في السنوات الأخيرة، لا سيما التعاطف العالمي الواسع الذي أعقب انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 .

في انتظار اتضاح خلفيات الحادث، والتحقيقات التفصيلية حول ملابساته وارتداداته على البلد، يقفز إلى الواجهة ذلك الاستنتاج العام بأن المجتمع الدولي يقترب من حالة «التعب من لبنان»، بسبب عدم قدرة المكوّنات اللبنانية على صوغ الحد الأدنى من التوافقات على مسار إنقاذي يرسم حدوداً لإقحامه في التجاذبات الخارجية من جهة، ويسمح بتنفيذ إصلاحات من دونها يستحيل على أي دولة ترغب في مد يد العون له، مالياً واقتصادياً، أن تفعل ذلك، من جهة ثانية.

فما إن تبرز ملامح اهتمام بمنع انهيار لبنان، وبتقديم المساعدات له، وبالانفتاح على مسؤوليه لتشجيعهم على المسار الإصلاحي وعملية تصويب تموضعه الإقليمي، حتى تؤكد الحقائق الداخلية المرّة بأنّ تطبيق قاعدة «ساعدوا أنفسكم لنساعدكم»، عصيّة على التطبيق، حتى في ما يخص أبسط وأقدم المطالب (منذ العام 2018 )، التي سبق للمسؤولين الغربيين أن كرروها، والتي تلقوا وعوداً من المسؤولين اللبنانيين في شأنها، لا يلبث بعضهم أن يتحايل عليها بشتى الحجج التي لا تعني سوى رفض هذه الإصلاحات، أي إصلاح قطاع الكهرباء.

وإذا كانت الجلسة النيابية العاشرة لانتخاب رئيس الجمهورية أمس آخر الفصول المستمرة التي تعطل قيام الدولة وانتظام عمل المؤسسات باختيار رئيس جديد، فإنّ كلّ المحاولات التي بذلها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لضمان استمرار حضور لبنان في المنتديات الدولية، لا تؤتي ثمارها لأنها لا تنعكس في الداخل. فالاجتماعات التي عقدها ميقاتي خلال تواجده في المؤتمرات العربية – الدولية والإقليمية، ولقاءاته الواسعة في نيويورك في أيلول الماضي، إلى القمة العربية مطلع تشرين الثاني، مروراً بقمة المناخ في شرم الشيخ... وصولاً إلى القمم الصينية العربية والخليجية الاستثنائية في الرياض الأسبوع الماضي، حيث استقبله ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، جرى التأكيد على المؤكد الذي يحاول الفرقاء اللبنانيون القفز فوقه. حصل ميقاتي على دعم في تلك الاجتماعات واللقاءات بقي مشروطاً بالإصلاحات، واستطاع جمع أوراق تأييد وانفتاح عربي مهمة، لم تتم ترجمتها في الداخل. فالإصلاحات تحتاج إلى انتظام عمل المؤسسات، وهذه تتطلب الاستعجال في انتخاب رئيس الجمهورية، وهذا يفرض حداً أدنى من التوافق المتعذر، وهناك فرقاء في الداخل يحيلون إمكان إنجازه إلى تسوية خارجية، هي الأخرى بعيدة المنال.

استمرار الدوامة هذه تشمل الضجة التي سبقت اجتماع مجلس الوزراء لتسيير بعض الشؤون الحياتية والإنسانية الملحة، ثمّ أثيرت حوله من بعد حصول الاجتماع، وهدفها كان تحييد الأنظار عن استمرار الفراغ الرئاسي، لحسابات خارجية، والبعض سقط في فخ هذه الإثارة. الدوامة استدعت من ميقاتي أن يبلغ البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي أن لا مانع لديه من التوقف عن القيام بأي نشاط، وأنّه قد يحتاج إلى الانزواء في غرفة في مقر البطريركية في الديمان، فجاءه الجواب برفض اعتكافه. ومع ذلك فإنّ رئيس حكومة تصريف الأعمال يتجنّب بدوره تحديد معرقلي الإصلاحات، وأسباب الفراغ الرئاسي الذي يستفيد منه البعض، ومنهم «التيار الوطني الحر» و»حزب الله». ويفضّل خوض معارك بالنقاط والتنقل بين مواقع الصراع حسب الظروف، بدلاً من اتخاذ المواقف الحاسمة والحازمة حيال من يعيقون إعادة البلد إلى شيء من الاستقرار.