رفيق خوري

توافق "اللوياجيرغا" أم التنافس الديمقراطي؟

3 دقائق للقراءة

الحوار ليس سلاحاً في يد أحد. ولو كنا نحتكم الى الدستور لما تكرر ذهابنا الى حوار خارج المؤسسات وخصوصاً المجلس النيابي الذي هو مؤسسة الحوار الدائم. والوقت حان للخروج من خداع النفس والآخرين. فقد ضيّعنا سنوات طويلة خلال الشغور الرئاسي ومع الرئاسة في حوار حول الإستراتيجية الدفاعية، ونحن نعرف أنها طبخة بحص. لا فقط لأن "حزب الله" يعتبر أن الإستراتيجية الدفاعية موجودة من خلال سلاحه ودوره وتجربته، بل أيضاً لأن من الخطأ الإتكال على رسم إستراتيجية دفاعية فوق طاولة حوار بين أمراء الطوائف.

الأساس هو تحديد أولويات الأمن القومي للبلد، وبعدها يتولى الخبراء رسم الإستراتيجية التي تخدم أهداف الأمن القومي، والمعرضة بإستمرار للتغيير والتطور مع تبدل الظروف والمعطيات. وهذا ما عبّر عنه رئيس الأركان الأميركي ثم وزير الخارجية الجنرال جورج مارشال صاحب "مشروع مارشال" في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بالقول: "إذا وضعت الهدف الصحيح، فإن ملازماً يستطيع كتابة الإستراتيجية". وقبله بكثير قال كلاوزفيتز: "الإستراتيجية هي إستخدام المعارك لتحقيق أهداف الحرب".

ولا جدوى من الحوار في حال الشغور الرئاسي إلا إذا كان الهدف تجاوز "لاءين" يسدان الطريق الى مخرج من المأزق: لا للتنافس الديمقراطي، ولا للتوافق وسط الخلل في التوازن السياسي. فالوقت حان بالفعل للعودة الى الوضع الطبيعي في أي نظام ديمقراطي: التنافس بين مرشحين وأكثر في معركة الرئاسة من دون أن يعطل النصاب من يخشى خسارة مرشحه. ولا بأس في التوافق إذا كان ممكناً على شخصية فوق الصراعات تفرض إحترامها على الجميع وتعيد للدستور مكانته ولبناء مشروع الدولة أولويته. لكن المشكلة هي خطورة التوافق على طريقة "اللوياجيرغا" في أفغانستان، حيث يجتمع رؤساء القبائل للإتفاق على رئيس. وما يحدث عملياً هو أن رئيس القبيلة الأقوى والأكثر عدداً يريد أن يوافق الجميع على المرشح الذي اختاره هو. وهذا إذعان لا توافق ولا وفاق.

ولو كان الشغور لأيام كما حدث بعد إستقالة الرئيس بشارة الخوري ثم انتخاب الرئيس كميل شمعون أو حتى لأسابيع لهان الأمر. لكنه صار يمتد الى شهور وسنوات، ويؤدي عملياً الى تعطيل الرئاسة والمجلس النيابي ومجلس الوزراء، في أوضاع كارثية للناس. فالأولوية لحسابات الأدوار والنفوذ، لا لإنقاذ البلد والناس من الإنهيار الكامل، ولا أقله لوقف الإنهيار أو التوقف عن الحفر في الجورة التي قادتنا اليها المافيا السياسية والمالية والميليشيوية الحاكمة والمتحكمة. وقمة البؤس السياسي، فوق البؤس المالي والإقتصادي والإجتماعي الذي فرضه علينا لصوص المال العام والخاص، هي الزحام على رئاسة مطلوب منها إستكمال الإجهاز على الجمهورية، سواء برضى الرئيس او على الرغم منه.

والدمار المتراكم فوقنا ليس "التدمير الخلاق" الذي تحدث عنه جوزف شومبيتر.