في طفولتي ركبتُ نوعين من وسائل النقل: جحش الدولة وجحشة جدي.
بالنسبة للجحش الأوّل، المشوار الأطول كان من المتحف إلى المصيطبة. ومن المصيطبة إلى المتحف. إجرة الراكب بثمن كعكة عصرونية أو كمشة فستق عبيد أو قرن بوظة صغير. "زمّيحة" على قول عمي الحلونجي. وقتها كانت الدولة دولة والنظام نظاماً. والمدينة جميلة والأحلام براعم. شوفور "الجحش" يلتزم المعايير. يعتمر قبعة كاكية. يلبس زيّاً رسمياً. لا يتكلّم مع الركاب. يقف عند المحطات المعتمدة. ولا يدخل ضمن صلاحياته قطع التذاكر أو ملاطفة النساء.
من يذكر من كان وزير الأشغال سنة نزول الأوتوبيسات الـ "بيج" إلى شوارع بيروت وخروج التراموي عن سككه؟ نجيب علم الدين أو كمال جنبلاط؟ فؤاد البزري أو جورج نفاع؟ ومن كان رئيس الحكومة؟ رشيد كرامي أو الحاج حسين العويني؟
وبعد تحرري من الموجبات العائلية، "ركّيت" على قدميّ، في النزلة من الأشرفية إلى ساحة البرج، مرتع الفلتان المبكر، وعلى بوسطة عين الرمانة بالطلعة. جحش الدولة ما "بيطلع" عالأشرفية ولا بينزل. أما جحشة جدي فلقد تولت ثلاث حقائب: نقل الأفراد. نقل الإنتاج الزراعي والفلاحة. واستمرت على هذا المنوال نحو عشر سنوات. وكان لي فرصة قيادتها والتنقل على متنها وتأديبها متى تمرّدت و"تنحرت" وقصّرت. منتصف السبعينات استعملت جحاش الدولة متاريس، وهربت جحشة جدي الغبراء، مع جحش أبيض وانقطعت أخبارها.
سيرة "الجحاش" تحرّك كوامن الحنين والذكريات الهاربة. ولأن الجحش بالجحش يذكر، يحتفل لبنان اليوم، حكومةً وشعباً ومؤسسات وقطاعات نقل، بنزول خمسين ( أو 45) جحشاً فرنسياً إلى شوارع بيروت الكبرى. سيكون التاسع عشر من كانون الأول يوماً مجيداً. آه لو قدّر أن تكون ولاية الرئيس سبعة أعوام، لاحتفل الجنرال عون معنا بالإنجاز المبهر، ولقاد بنفسه واحدة من الحافلات المقدمة من الدولة الفرنسية كما قاد عمليات الإستكشاف في أحد حقولنا البحرية المعطاء. قبلاً كانت الدولة تدير باصات النقل وتشغّلها. اليوم الدولة هي المنظّم والقطاع الخاص هو المشغّل.
سبعة أشهر بأيامها ولياليها استغرق العمل في وزارة الأشغال على خمسين باصاً. عمل جبّار. عندما تسمع الوزير الديناميكي علي حمية يتحدث عن إنجازه النوعي تشعر أنه بسبعة أشهر آخرى يمكنه منافسة اليابان في مجال النقل السريع، وكل ما يحتاجه، سد حفرة بسيطة على أوتوستراد الجديدة ـ السد، وفلشة زفت على أوتوستراد العبدة، وتنظيف بعض مجاري المياه على أوتوستراد الزوق الدولي.
على متن الجحش الفرنسي ندخل عصر الحداثة من الباب العريض. وبي شوق للصعود إليه واكتشاف متعة الإنتقال من الدورة إلى جسر الفيات، على أن أوافي القرّاء لاحقاً بدراسة مقارنة بين جحشين من الماضي وجحش معاصر.