رفيق خوري

تكرار سنوات وكوارث: لا تراجع ولا مراجعة

3 دقائق للقراءة

سنوات لبنان تتكرر منذ مدة، فلا سنة قديمة ولا أخرى جديدة. لكن ما ينطبق على الأوضاع ليس المزيد من الشيء نفسه. فالإنهيار يزداد كل يوم في بلد غير ممسوك ولا متماسك. بلد كل شيء فيه معلق بما لا ينتجه ولا يملكه ولا يستطيع التحكم به: الدولار. بلد محكوم بأسوأ ما ينتجه من تركيبة سياسية ومالية وميليشيوية تشكل مافيا أخطر من إل كابوني. المافيات الصقلية والكورسيكية والروسية والإيرلندية وسواها تأخذ بالقوة والسطوة حصة غير شرعية من الدورة الإقتصادية. والمافيا اللبنانية تأخذ كل المال والسلطة بالقانون ومن خارج القانون، وتسطو على ودائع الناس في المصارف، وتمنع محاسبة أي لص.

ولا جدوى من كل الدعوات في الداخل والخارج الى الإنقاذ، لأن كلفته باهظة على المافيا. فالحد الأدنى الذي يضمن إنتظام العمل العادي في آلة الدولة صار تحقيقه مهمة صعبة جداً. إنتخاب رئيس للجمهورية مشكلة. تأليف الحكومة مشكلة. عمل المجلس النيابي مشكلة ومهزلة. إيجاد حلول للأزمات المالية والإقتصادية والإجتماعية مشكلة. وكل الخطط التي يتم تقديمها على الورق تعمّق الأزمات، لأن حجر الأساس فيها هو حماية المافيا وتدفيع الناس المسروقين ثمن ما سرقه اللصوص.

ذلك أن "العلاج الإقتصادي الحقيقي"، كما قال الرئيس فرانكلين روزفلت الذي أنقذ الإقتصاد الأميركي من "الكساد الكبير" قبل الحرب العالمية الثانية عبر "الصفقة الجديدة"، يجب أن "يبدأ بقتل البكتيريا في النظام أكثر من معالجة المظاهر السطحية". لكن المافيا الحاكمة والمتحكمة بنا تعيش على البكتيريا في النظام. وقتل البكتيريا يعني قتل مصالحها. وهذه بالنسبة إليها مسألة حياة أو موت. والعلاج الحقيقي للأزمة السياسية التي هي "أم الأزمات" يجب أن يبدأ من الإعتراف بالمرض بعد تشخيصه بدقة. وهذا كان ولا يزال محل تزييف وتزوير مهما اشتد المرض ما دام ضحاياه من الطبقة الفقيرة وبقايا الطبقة الوسطى.

والواقع ناطق. خرجنا من حرب طويلة تعددت أطرافها المحلية والإقليمية والدولية، فلم نراجع ما حدث فيها لنتعلم الدروس. وتصرفنا كأننا خرجنا من ليل أحلام وكوابيس انتهى. خرجنا من وصاية سورية فعلت ما فعلته، لندخل في وصاية إيرانية صنعت مقاومة إسلامية حررت الجنوب من الإحتلال الإسرائيلي، ثم قادتنا الى مهمة أكبر من قدرتنا في محور إقليمي بما جعلنا في أزمة مع الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليين. وخرجنا مؤخراً من عهد قال سيده علناً إننا ذاهبون الى "جهنم"، فلم نر مراجعة بل سجالات ودعوة الى عهد يكمل ما فعله العهد الذي كانت حجته في العجز عن وقف الكارثة هي "ما خلّونا". وخرجنا من إنتخابات نيابية لنرى نتائجها معطلة بفعل متحكمين يريدون إنتزاع الربح من فك الخسارة. ومعارضين عاجزين عن التفاهم، بما يجعلهم ينتزعون الخسارة من فك الربح.

يقول مؤرخ فرنسي إن "فرنسا تتغير دائماً وظهرها الى الحائط". لكن التغيير في لبنان عصي من دون أن نهدم الحائط الذي نصطدم به يومياً بإشراف المافيا.