عاد مسلسل اقتحام المصارف الى الواجهة من جديد، في رحلة شاقّة بحثاً عن ودائع مصادرة داخل البنوك. ففي حادثة هي الثانية من نوعها، إقتحم المودع محمود عبد الله ابن الخمسين عاماً «البنك اللبناني ـ الفرنسي» في النبطية، شاهراً مسدسه الحربي، مطالباً بـ50 ألف دولار من أصل وديعته البالغة 250 ألف دولار، غير آبه بشيء سوى بالمطالبة بحقّه لأجل سداد دينه وعلاج ولديه.
وعلى قاعدة «شو جابرك عالمرّ إلا الأمرّ منه»، دخل محمود المصرف قرابة العاشرة والنصف صباح الثلاثاء، مصوّباً مسدّسه نحو رأسه مهدّداً بقتل نفسه في ما لو تمنّع المصرف عن دفع ماله وجنى عمره قبل أن يعود ويسلّم المسدس لتبدأ رحلة التفاوض الشاقّة.
عبد الله الذي باع كل ما يملك وأودعه في المصرف للزمن، وجد نفسه في خضمّ الأزمة المالية يستعطي الدواء لولديه المصابين بداء السكّري ما رتّب عليه ديناً كبيراً، الأمر الذي دفعه لاقتحام المصرف بحسب ما يقول ابنه حسن الذي حضر إلى المصرف لمساندة أبيه حاملاً معه أوراق الأدوية.
عند مدخل البنك اللبناني ـ الفرنسي اصطفّ النازحون السوريون في طابور طويل لقبض مستحقّاتهم الشهرية من بطاقة الغذاء والمال، في حين اضطرّ محمود لحمل مسدس صغير والدخول إلى المصرف للمطالبة بماله الذي تعب في تحصيله، فخضع لجلسة نقاش حادّ دامت لساعات يتفاوض بها مع مدير البنك ليحصل على جزء من وديعته.
عند باب المصرف الخارجي وقف أبو بهيج الرجل السبعيني باكراً لإنجاز معاملته، قبل أن يدخل محمود المصرف ويهزّ «اليوم المصرفي» الذي شهد كرّاً وفرّاً في النبطية، فالناس اصطفّوا بالطوابير على أبواب مصارف النبطية استجداء لصيرفة. بدا الرجل حائراً في أمره، قلقاً على مصير محمود، فهو لا يعرفه حسبما قال، غير أنه يتعاطف معه.
انتظر أبو بهيج مع عدد قليل من الأهالي في الخارج، يراقبون ما سيحصل، فالعملية بدت هادئة، لم يصاحبها حضور كثيف للقوى الأمنية، بالكاد حضر عنصران أو ثلاثة ، فالكلّ بات يعلم أنّ محموداً وغيره قد يضطرون لفعل الأمر نفسه لأجل علاج أحد أقربائهم، وقد يصل الأمر الى عناصر القوى الأمنية نفسها، فالمسألة تتعلّق بمفاوضات شاقّة تنتهي بإعطاء المصرف جزءاً صغيراً من الوديعة مع إجبار المودع على توقيع تعهّد خطّي وإقفال حسابه، وهو ما حصل سابقاً مع المودع يحيى بدر الدين الذي افتتح سلسلة اقتحام مصارف النبطية وحصل وقتها على جزء من وديعته وأقفل حسابه، وهذا ما دفع يحيى للحضور الى البنك اللبناني ـ الفرنسي لمساندة محمود وحثّه على عدم القبول بأي تسوية على حساب حقّه وتعبه.