يوسف مرتضى

عندما انقلب السوري على "الطائف"... وأبعد الحسيني

14 كانون الثاني 2023

02 : 00

صدم رحيل الرئيس حسين الحسيني، ذاكرة قادة الرأي في البلاد من موالين ومعارضين، ليستفيقوا على مواقفه ودوره الريادي في التأسيس لمشروع الدولة المدنية في لبنان، ذاك المشروع الذي صيغت هياكله في التعديلات الدستورية التي كان للرئيس الحسيني الباع الطويل في حياكتها.

وبمناسبة رحيله المؤسف، راحت تتردد على أكثر من شفة ولسان أصداء مواقفه التاريخية من تحت قبة البرلمان ومن خارجه، المندّدة بانحرافات المنظومة الحاكمة عن المسارات الدستورية والقانونية في إدارة البلاد، والمحذّرة مبكراً من خطر انزلاقها بقيادة المنظومة الفاسدة نحو الحالة الجهنمية التي نعيش.

ونظراً لمعرفتي المزمنة بجوهر تفكيره وصوابية خياراته الوطنية، لا أبالغ بالقول: إنّه لولا إكراه الرئيس الحسيني على التنحي عن رئاسة المجلس النيابي، ولولا تحجيم دوره السياسي من قبل نظام الوصاية السورية إثر الانتخابات النيابية الأولى بعد اتفاق الطائف عام 1992، لكان لبنان شهد حقاً عصر الجمهورية الثانية المدنية الديمقراطية التعددية، أو كان يمكن لو قاوم ذلك قد رقي على أيدي القابضين على ناصية القرار في تلك الفترة، إلى مرتبة الشهداء كسابقيه، المعلم كمال جنبلاط والإمام موسى الصدر.

لماذا خلصتُ إلى هذا الإستنتاج؟

في العام 1972 كانت المرة الأولى التي أمارس فيها حقي الانتخابي، فانتخبت السيد حسين الحسيني في دائرة بعلبك الهرمل. وكانت سنوات السبعينات قد عرفت نهضة وطنية وقومية في لبنان، وكنت وقتها قد انتسبت إلى الحزب الشيوعي اللبناني في العام 1970. وبينما دأبت مع رفاق لي على زيارة السيد حسين في المناسبات بمنزله في شمسطار، كنت أسمع منه تكراراً، أنّه لا يمكن بناء دولة في لبنان إلا بإلغاء الطائفية السياسية.

وبعد إخفاء الإمام الصدر وتولي السيد حسين رئاسة حركة «أمل»، تابعت تواصلي معه وقد أصبحت عضواً في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، وتعاونت معه، ومع الأستاذ عاطف عون بتكليف منه على معالجة ذيول الاحتكاكات المؤسفة التي بدأت تتصاعد بين «الحركيين» والشيوعيين في تلك الحقبة، وكنت أتساءل في جلساتي معه، عن التناقض في موقفه بين تبنيه للدولة المدنية كخيار لا بديل عنه في لبنان، وبين ترؤسه لحركة طائفية. كان جوابه أنّه مع الإمام الصدر بنى حركة للدفاع عن محرومي لبنان من مختلف الطوائف، وأنّ ميثاق الحركة يؤكد على قناعته وقناعة الإمام الصدر وثم الإمام شمس الدين بالدولة المدنية.

في ثمانينات القرن الماضي، رافقت الرئيس الحسيني إلى موسكو وكان على رأس وفد نيابي ضم بين أعضائه الشهيد رينيه معوض، وميشال ساسين وآخرين، بينما كنت أشغل هناك دور مراسل لجريدة «النداء» وممثلاً للحزب الشيوعي اللبناني. في جلسات حوارية عدة معه وبحضور أعضاء الوفد، وخاصة في تلك الجلسة التي امتدت لساعات في مقصورة القطار الذي أقلّنا من موسكو إلى لينينغراد، سمعت الكثير من الرئيس الحسيني عن هواجسه في كيفية إخراج لبنان من الحرب الأهلية المتمادية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. وكان يردد موقفه الثابت المتجذّر في قناعته التي أعرفها، لا حل في لبنان إلا بالدولة المدنية.

وقد استمعت باهتمام شديد في تلك الرحلة لمداخلته عن الوضع في إيران وتأثيره اللاحق على لبنان، بعدما كان قد زار طهران والتقى فيها الإمام الخميني وقادة آخرين.

ليس فريقاً

الرئيس الحسيني لم يكن فريقاً في الحرب الأهلية، واستمر على تواصل متوازن مع مختلف أفرقاء الأزمة اللبنانية، وكان على علاقة مقدّرة وًمحترمة مع مختلف المرجعيات الروحية من البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير إلى المفتي الشيخ حسن خالد إلى الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين وجميع الآخرين. ذاك الدور وتلك العلاقات، مكّنته من لعب دور العراب في الطائف. وهو الخبير بتركيبة مكونات المجتمع اللبناني والتعقيدات الإقليمية والدولية المحيطة به، ما مكّنه من المساهمة في الوصول إلى صياغات مقبولة من مختلف أفرقاء الصراع في لبنان في وثيقة اتفاق «الطائف». وكان هاجسه الأول في ذلك هو وقف الحرب، والهاجس الثاني بناء الدولة المدنية، التي كان يرى بتحقيقها سيتمكن لبنان من طيّ صفحات التقلبات والاهتزازات التي رافقت مسيرته منذ تأسيسه كدولة مستقلة. لقد أبدع الرئيس الحسيني في إدارته للمجلس النيابي عام 1990 في صياغة التعديلات الدستورية لقيادة مرحلة انتقالية جدية لإلغاء الطائفية السياسية في صياغة المادتين الدستوريتين الـ95 والـ22.

بين آب 1990 وشباط 1991 قادت الولايات المتحدة الأميركية حرباً شاركت فيها دول عدة لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، وكانت بحاجة في تلك الحرب إلى غطاء عربي. تمهيداً لذلك، زار وزير خارجية أميركا جيمس بيكر دمشق وطلب منها مشاركة رمزية في تلك الحرب، وافق الأسد بعدما تلقى تعهداً أميركياً بإطلاق يده في لبنان. في العام 1992 جرت الانتخابات النيابية في لبنان وفقاً لما جرى الاتفاق عليه في الطائف. شهدت تلك الانتخابات مقاطعة مسيحية واسعة، كما شهدت تزويراً فاضحاً في انتخابات دائرة بعلبك الهرمل، حيث بالكاد نجح فيها الرئيس الحسيني مع يحيى شمص من لائحته، بينما استحوذت لائحة «حزب الله» على المقاعد الثمانية المتبقية بدعم من الوصاية السورية بإدارة غازي كنعان.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنني كنت قد لعبت دور الوسيط في تلك الدورة بين الرئيس الحسيني و»حزب الله» عبر الشيخ خضر طليس بتكليف من قيادة الحزب الشيوعي وبالتعاون مع الدكتور ألبير منصور. كانت محطة مهمة جداً، لا يحتمل المقال التوسع بالحديث عنها، ولكن لا بدّ من تناولها في مناسبة إخرى.

وما يجب التوقف عنده، هو أنّ الرئيس الحسيني قد طالب وزير الداخلية آنذاك سامي الخطيب بإلغاء نتيجة تلك الانتخابات للأسباب المذكورة آنفاً، والتحضير لانتخابات جديدة. على أثر ذلك استشعر السوري بأنّ الرئيس الحسيني لن يكون أداة طيّعة في إدارته للملف اللبناني. ونظراً لاطمئنان الرئيس حافظ الأسد للموقف الأميركي بعد تعهدات جيمس بيكر له، استدعى الأسد الرئيس الحسيني وأبلغه بنتيجة اجتماع معه امتد لساعات، حاجتهم لرئيس آخر للمجلس النيابي يكون أكثر انسجاماً مع سياستهم في لبنان. وهكذا تشرعنت نتائج انتخابات العام 1992، وانتخب نبيه بري المطواع رئيساً للمجلس النيابي، وبدأت معه مسيرة تعطيل الدستور وحلول نظام الترويكا والمحاصصة والزبائنية مكانه. وبعد الخروج السوري من لبنان إثر اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري، تطورت سياسة المحاصصة وتعطيل الدستور، إلى معادلة الديمقراطية التوافقية وحكومات الوحدة الوطنية والثلث المعطّل، المكملة لحقبة الوصاية السورية، وبظل رعاية تفاهم مار مخايل وتفاهمي معراب وبيت الوسط، اللذين اسقطتهما ثورة 17 تشرين أول 2019.

هكذا خسر لبنان فرصة الخروج من الأزمات والانطلاق نحو جمهورية ثانية في دولة ديمقراطية تعددية بإقصاء عرّاب «الطائف» خلال العقود الماضية. فهل يلهم غيابه اليوم المؤمنين بلبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، توحيد جهودهم في حمل مشروع الدولة المدنية، عبر الإصرار على تطبيق دستور إتفاق الطائف، فيكونون بذلك أيضاً أوفياء لرجل كرّس حياته ليكون لبنان دولة حديثة وفي مصاف الدول المتقدمة؟

المجد والخلود لروحك دولة الرئيس حسين الحسيني.