ريتا ابراهيم فريد

الكاميرا الخفية... بين ضرورة الوصول الى المعلومة والحدود الأخلاقية للمهنة

30 كانون الثاني 2020

09 : 00

من الأساليب الأكثر رواجاً في الصحافة الاستقصائية اليوم هو الإستعانة بالكاميرا الخفية لإنجاز تقارير مصوّرة بهدف الكشف عن الفساد أحياناً أو تسليط الضوء على مشكلة معيّنة. وفي حين يعتبر البعض أن هذا الأسلوب مخالف لأخلاقيات المهنة كونه يشكّل تعدياً على الحرية الشخصية وانتهاكاً للخصوصية، يرى البعض الآخر في المقابل أن الكاميرا الخفية هي الطريقة الأفضل للوصول الى معلومات لا يمكن كشفها بالكاميرا العادية، وبالتالي باتت ضرورة لتوثيق الأفعال بالصوت بالصورة.



المراسلة زهراء فردون


زهراء فردون: "نحن نتقمّص شخصية شبيهة بالتحري"


تُعتبر المراسلة زهراء فردون من أبرز الوجوه الصحافية التي تستعين بالكاميرا الخفية كأسلوب إستقصائي للوصول الى المعلومات بهدف كشف الحقائق والإضاءة على الفساد، كما أنها سلّطت الضوء في تقاريرها على حالات إنسانية عدة.

من جهة أخرى، دخلت زهراء بكاميرتها الخفية الى مناطق خطرة، وتعرضت أكثر من مرة لمضايقات كثيرة وصلت حد التهديد المباشر بالسلاح.

وفي هذا الإطار، تشير زهراء، في حديث لـ"نداء الوطن"، الى أن الكاميرا الخفية تستطيع أن تدخل الى المحظور والممنوع. ولا بد من استخدامها لكشف الحقيقة بالأدلة والبراهين، لا سيما حيث يتعلق الأمر بفساد ما أو بأولئك الذين يشكلون خطراً على المجتمع، بخاصة أنهم لا يقومون بأفعالهم بشكل علني ولا يمكن كشفهم بواسطة الكاميرا العادية. وتضيف زهراء أنّ زمن التطوّر التكنولوجي اليوم وفائض المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي، باتا يفرضان أن تكون عملية التوثيق بالصوت والصورة لإقناع المشاهد.

في المقابل، تعترف فردون بأنّ الكاميرا الخفية تشكل أحياناً خرقاً للخصوصية، وتستطرد قائلة: "لكن عندما يعالج التحقيق الاستقصائي قضية شخص يقوم بخرق للقانون، كالاتجار بالبشر، بالمخدرات، أو من يقومون باستخدام الأطفال لترويج الممنوعات، لن أهتم لخصوصيته أبداً. لا بل إن واجبي الوطني والأخلاقي قبل واجبي المهني، أن أكشف للرأي العام حقيقته، وأن أساهم في توقيف أعماله الفاسدة، كونه هو الذي يخترق خصوصية الناس". وتتابع زهراء أن أهم تقنية يجدر بالمراسل الاستقصائي أن يعتمدها أثناء التصوير بالكاميرا الخفية هي أن ينظر مباشرة في عينيّ الشخص الذي أمامه، وأن يقنعه بالدور الذي يؤديه. وتقول: "نحن نتقمّص شخصية شبيهة برجل التحري، حتى أننا أحيانا نتشارك خبراتنا معه".

هذا وأكّدت فردون أن واجبها الأخلاقي والديني يفرض عليها أن تتحاشى تصوير سيدة لا تضع الحجاب (في حال كانت محجبة أصلاً)، وبالتالي عليها أن تتأكد من هذا الموضوع قبل أن تصوّر. كما تقع عليها مسؤولية أن تخفي وجوه وأسماء الأشخاص الذين يظهرون في الفيديو الذي تصوّره، حين لا يكون لهم علاقة بالموضوع، تجنباً لتوريطهم.


رأي الدين والشرع


للشرع والدين رأي أيضاً بموضوع الكاميرا الخفية. وفي هذا الإطار، أشار المفتي الجعفري الشيخ أحمد طالب في حديث لـ"نداء الوطن" الى أنه لا يجوز استباحة خصوصية الانسان داخل منزله أو داخل مكان يمتلكه، حيث لا يحق لأي كان التصرف فيه إلا بموافقة الشخص المعني. وحتى لو كانت الأهداف من التصوير نبيلة، من المفروض أن تكون الوسائل نبيلة أيضاً. وأعطى هذا المثل قائلا: "إذا كان الشخص يقوم بمخالفات وبأعمال غير ممدوحة متجاوزاً الحدود الأخلاقية والقانونية والشرعية، فنحن حين نستخدم أساليب غير مسموحة وغير أخلاقية في البحث عن خصوصياته، نكون قد مارسنا نفس الأساليب التي يمارسها".



وتابع: "لكن عندما يتعلق الموضوع بانتظام وأمن الدولة ويكون هذا الشخص في مركز إداري ما، يُسمح بهذا الأمر، لأن انتظام الوضع العام مقدّم على أي أمر آخر، خصوصاً أن هذا الشخص متواجد في مكان لا يملكه، إنما في مكان يدير فيه عملاً، والمفروض أن يديره ضمن ضوابط، وأن تتمّ محاسبته على المخالفات والجرائم التي يرتكبها في هذا المكان. لكن متابعة هذا الموضوع يجب أن تكون ضمن الدوائر النظامية وبإجازة القانون والمؤسسات التي بيدها الأمر كي لا تعمّ الفوضى ويصنّف كل إنسان نفسه مراقباً، ويسمح لنفسه بالتالي بأن يتجسس بهدف غايات شخصية".

من جهته، يشير عميد كلية الدعوة الإسلامية الشيخ الدكتور أحمد كنعان الى أن الاضطلاع على ما يخفيه الآخرون من دون إذنهم والتجسس عليهم هو حرام شرعاً في الإسلام، حيث أن الآية الكريمة في القرآن الكريم تقول بشكل صريح "ولا تجسسوا"، ولكن لكل قاعدة استثناء. ويوضح: "إذا وجدت مصلحة في الاضطلاع على أمر يخفيه هذا الانسان، مثلاً أنه يشرع في القتل أو يشرع في اعتداء، فيجوز هنا الاضطلاع على بعض أسراره أو ما يوصلنا الى معرفة حقيقة هذه المسألة من عدمها، ولكن يجب أن يكون هناك شبه تأكيد وليس مجرّد ظنّ. والدولة هنا تمثل دور الراعي والحامي لمصلحة الناس والمجتمع". ويتابع: "يجوز للصحافيين أن يصوّروا بطريقة خفية بهدف كشف رشوة أو فساد، شرط أن يكونوا قد أصبحوا شبه متأكّدين من أن هذا الموظف فاسد وباتوا بحاجة الى ما يثبت إدانته أمام الرأي العام. وبالتالي فإن رصده لم يعد يندرج ضمن خانة التجسس، إنما ضمن خانة الإعلام والإخبار للدولة".

أما مدير المركز الكاثوليكي للإعلام الأب عبدو أبو كسم، فأشار الى أن القانون الكنسي لا يمنع أو يجيز موضوع التصوير بالكاميرا الخفية، لكن الأمر يتعلق بالحرية الشخصية التي يتمّ المساس بها أحياناً عندما يتمّ تصوير الشخص رغماً عنه أو من دون علمه، وهذا يُعتبر بمثابة تعدٍّ على الحرية الشخصية وهذا أمر مرفوض في تعاليم الكنيسة. ويوضح قائلا: "هذه سرقة. حيث أنهم يسرقون شيئاً من خصوصياته ومن حقوقه، وبالتالي هذا الأمر غير مسموح من باب المبادئ الأخلاقية".

لكن الأب أبو كسم يفصل هُنا بين أمرين قائلاً: "إذا كان استخدام الكاميرا الخفية بهدف كشف سرقة أو فساد فليكن، بحيث يكون الهدف تقديم دليل. إنما إذا كان استعمالها استصراحاً للشخص من دون علمه، فهذا تعدٍّ على حريته".

"المبادئ الأخلاقية تفرض شرطين أساسيين"


من جهته، أشار الدكتور جورج صدقة (أستاذ مادة الأخلاقيات الإعلامية في الجامعة اللبنانية - كلية الاعلام والتوثيق) في حديث لـ"نداء الوطن"، الى أن المبدأ العام لا يعطي الحق للصحافي بأن يسرق المعلومة. كما لا يحق له أن يصوّر أحداً من دون إذنه، لأن الصورة ملك صاحبها، إلا إذا كان هذا الشخص متواجداً في مكان عام وعلى علم بوجود مصورين.



وفي ما يختص باستعمال الكاميرا الخفية كأسلوب صحافي استقصائي، أشار الدكتور صدقة الى أن المبادئ الأخلاقية للمهنة تسمح بها بشرطين: الأول عند انعدام أي وسيلة أخرى للحصول على المعلومة التي نبحث عنها. والشرط الثاني أن ينحصر الهدف بخدمة المصلحة العامة ومكافحة الفساد، وألا يتحوّل الى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية أو تصفية حسابات أو تصويب على شخص معيّن. وأوضح: "يُستحسن ألا يتمّ استخدام المعلومات أو الصور ضد أشخاص. بالتالي يمكن تمويه الوجوه مثلاً"، مشدّداً على أن يأتي طرح الموضوع للإضاءة على قضية عامة وليس شخصية.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.