تنكشف صورة التأزم اللبناني على فوضى سياسية تلامس العبث في كثير من مظاهرها جرّاء عجز التركيبة السياسية الحاكمة عن انتخاب رئيس للجمهورية.
وإدارة «حزب الله»، كونه الفريق الأكثر نفوذاً الذي يتحكّم بالقرار السياسي في البلد، لمرحلة الفراغ الرئاسي عبر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، تدفع بعض الفرقاء على الصعيد المسيحي، نحو الذهاب إلى خيارات كانت سابقاً صعبة أو صُرف النظر عنها، حسبما يعتقد من عايشوا الحرب الأهلية والاتفاقات التي أدّت إلى وقفها. وفضلاً عن التشرذم السياسي الذي يعيشه البلد، والذي يبيح تمديد الشغور في الرئاسة، فإن هذا التشرذم يتعمّق هو الآخر ضمن كلّ محور أو معسكر تصطفّ فيه قوى معيّنة.
وإذا كان محور أو معسكر «السياديين» ظهر حتى الآن مشتتاً في جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، فإنّ التناقضات التي يعيشها محور الممانعة الذي «كان» ينتمي إليه «التيار الوطني الحر» بقيادة «حزب الله» ليس أفضل حالاً. ولربّما هذا سبب رئيس للعجز عن انتخاب رئيس للجمهورية. في اعتقاد البعض أنه لو لم يكن «التيار الحر» معارضاً لانتخاب مرشح «حزب الله» رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية لكان «الحزب» نجح في جذب بضعة أصوات باقية من أجل إنجاحه. بل إنّ بعض محبّذي انتخاب فرنجية يرى أنّ الأمين العام لـ»الحزب» السيد حسن نصرالله كان سهلاً عليه أن يرتّب اتفاقاً مع عدد من النواب لأجل ضمان الـ65 صوتاً لمصلحة فرنجية، لكن ظروف البلد تتطلب اتفاقاً يجمع أكثر من النصف زائداً واحداً لتأييد الرئيس العتيد لأنّ الصعوبات التي ستواجه العهد الرئاسي المقبل تحتاج لأوسع التفاف ممكن حوله في ظل أوضاع إقليمية ودولية شديدة التعقيد والسخونة والخطورة.
ومع أنّ في هذا التوصيف للمأزق الرئاسي شيئاً من التبسيط في نظر بعض المراقبين والأقطاب السياسيين، فإنّ هؤلاء باتوا ينظرون بعين القلق إلى تداعيات وتفاعلات إدارة «الحزب» للمرحلة الراهنة طالما لم يحصل أي توافق معه على الرئاسة الأولى. ويتحدّث هؤلاء عن خطورة بعض المواقف التي صدرت في الفترة الماضية، لا سيما في الوسط المسيحي، آخرها عن رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل الذي ساءه انعقاد الجلسة الحكومية التي دعا إليها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي اليوم في شأن الكهرباء، والتي يرفض «التيار الوطني الحر» عقدها وكانت سبب خروج الخلاف إلى العلن بينه وبين «حزب الله» بعد جلسة كانون الأول الماضي. فباسيل اعتبر أنّ «ما يجري سيذهب أبعد من ضرب التوازنات والتفاهمات»، في إشارة منه إلى إنهاء عقد التحالف مع «الحزب» وفق «تفاهم مار مخايل» الذي انتهت صلاحيته أصلاً بعد استنفاد أغراضه، بانتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، الذي كان باسيل صاحب أختامه السياسية والمصلحية، فأمّن من خلالها الكثير من المنافع ومواقع النفوذ في المؤسسات الرسمية.
أمّا الموقف المهم الذي سبق كلام باسيل والذي رصده المراقبون والأقطاب السياسيون، فهو الذي صدر عن رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع قبله، أنه إذا أصرّ «حزب الله» على المجيء برئيس «على ذوقه» محذّراً بـ»إعادة النظر سياسياً بتركيبة الدولة... والله يوفقو مطرح ما هو بس ما بقا فينا نكمّل هيك». فتلويح الفريقين الوازنين في الوسط المسيحي بأفكار تُطرح منذ مدة طويلة في بعض الدوائر والتي تبلورت في مشاريع مكتوبة، تتراوح بين الفيدرالية واللامركزية المالية تذهب بالتأزم الذي يُنذر بإبقاء الفراغ الرئاسي مدة أطول، يجيء كرد فعل على اقتناع أصحابها بأن وضع «حزب الله» يده على القرار السياسي في البلد، من دون القدرة على الحدّ من سيطرته عليه بفائض قوة سلاحه، يتطلب إنشاء وضعية تقصر نفوذ «الحزب» على مناطقه وبيئته المذهبية والسياسية... ولو كان ذلك شبه تقسيم للمناطق بحيث لا تعود أفكار الفيدرالية محرمة. هذا مع أنّ أياً من جعجع وباسيل (كل لسببه) لم يعلن حتى الآن تبنيه فكرة الفيدرالية. لكنّ هذه التوجهات تستدعي من «حزب الله» دراسة انعكاساتها عليه، إلا إذا كان ضمناً لا يمانع بها كونه قادراً على إدارة مناطق نفوذه وفق قاعدة الاتجاه شرقاً.
ما يدفع بعض الأجواء المسيحية إلى التعاطف مع أفكار من هذا النوع، اعتقاد بعض رموز الطائفة أنّه بعد نجاحه في إدارة الرئاسة الأولى كما يريد خلال السنوات الست الماضية، هو أنّه تمكن من إدارة رئاسة الحكومة وفقاً لمصالحه والدور الذي يلعبه في البلد، في وقت تتولى الرئاسة الثالثة جزءاً من صلاحيات رئيس الجمهورية، لأنه نجح في إضعاف القيادة السنية في البلد، ولم يعد يخشى من خصومته معها مثلما كان ذلك مطلوباً حين وقع ميشال عون ورقة التفاهم معه.