رافي أغراوال

عالم مختلف في العام 2023

19 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

يغفل الكثيرون على ما يبدو عن أهم نزعة تشهدها السياسة العالمية في العام 2023. بدأ الجنوب العالمي يثبت نفسه ويزيد تأثيره في جميع المجالات. سيتذكّر الجميع مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في السنة الماضية باعتباره الحدث الذي أنتج اتفاقاً ثورياً يقضي بإنشاء صندوق «الخسائر والأضرار» لمساعدة البلدان النامية على التعامل مع تداعيات التغيّر المناخي. وفي مجال آخر، شكّل كأس العالم لكرة القدم في قطر تجربة غير مسبوقة حيث استضاف بلد عربي هذا الحدث الضخم للمرة الأولى ووصل فريق أفريقي (المغرب) إلى الدور نصف النهائي. في غضون ذلك، رفضت بلدان كثيرة في العالم النامي المشاركة في العقوبات الأميركية ضد روسيا التي تتابع حربها في أوكرانيا. تستحق الجوانب الأخلاقية لهذا القرار النقاش حتماً. لكن بعيداً عن المسائل الأخلاقية الشائكة في عالم السياسة الخارجية، أثبت القادة، من نيودلهي إلى نيروبي، ثقتهم المتزايدة بأنفسهم وأكدوا على مصالحهم الاستراتيجية الخاصة بدل تفضيل المصالح الغربية.



من الواضح أن العالم غير الغربي بدأ يرفع الصوت. تتّجه هذه الأجزاء من العالم للتحوّل إلى مشارِكة أكثر قوة وحزماً في السياسة العالمية، علماً أن هذه المناطق تشمل فئات أكثر شباباً وتشهد نمواً أسرع من الغرب لكنها تبقى أكثر عرضة لعواقب التغيّر المناخي. يجب أن يتأقلم صانعو السياسة والشركات في الغرب مع هذا الواقع المستجد.

سافرت وفود عالمية إلى شرم الشيخ في مصر، في تشرين الثاني الماضي، لحضور أول قمة مناخية تنظّمها الأمم المتحدة في أرض أفريقية منذ العام 2016. أصبحت الإجراءات المطلوبة أكثر إلحاحاً في هذا الملف بسبب موقع الحدث، إذ تعتبر الأمم المتحدة أفريقيا القارة الأكثر عرضة لتداعيات التغيّر المناخي والأقل جهوزية للتعامل معها.

طوال عقود، كانت المفاوضات المناخية تتبع مساراً معروفاً. تتكلم البلدان الغنية عن ضرورة تخفيض الانبعاثات العالمية، وتُعبّر الدول النامية عن حاجتها إلى المساعدة للانتقال إلى مصادر طاقة أكثر نظافة. ثم يعلن المعنيون عن تقديم تمويل بسيط، لكن لا يُسلَّم إلا جزء ضئيل من الأموال الموعودة في نهاية المطاف وتتكرر هذه الدوّامة على مرّ السنين.

لكن تبدّل الوضع في العام 2022 لأن التغير المناخي بدأ يزعزع توازن الأنظمة حول العالم، لا سيما في الجنوب العالمي. أو ربما استنتج قادة الغرب، بعد أزمة كورونا، أن المشاكل في جزء من العالم قد تؤثر على مناطقهم أيضاً، أو بات القادة قادرين سياسياً على دعم السياسات التقدمية في ملف التغيّر المناخي، لا سيما في أوروبا.

بغضّ النظر عن السبب، من الواضح أن القادة أجمعوا على عجزهم عن وقف الظواهر التي أصبحت راسخة. بات التغير المناخي واقعاً ملموساً، ما يعني أن العالم يحتاج إلى متابعة جهوده لتخفيض الانبعاثات ووضع استراتيجيات لتخفيف التداعيات والتكيف مع المستجدّات، كما كان يفعل سابقاً، لكنه مضطر الآن لمعالجة مسألة واضحة ومعاصرة: تحتاج الدول النامية إلى المساعدة للتعامل مع الأضرار التي تتحمّلها شعوبها.

بعد المؤتمر المناخي بفترة قصيرة، توجّهت أنظار العالم إلى قطر، أول دولة عربية تستضيف كأس العالم. رغم الانتقادات الواسعة، اعتبرت دول الجنوب العالمي في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية، هذا الحدث مناسبة نادرة للتأكيد على الشراكة والتكافؤ. تمكّن الناس من مدن مثل مومباسا ومومباي أخيراً من تحمّل كلفة السفر إلى مكان مثل الدوحة والاستمتاع بمشاهدة اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي وهو يتغلّب على نظيره الفرنسي كيليان مبابي. كذلك، شاهد آلاف المغاربة رحلة منتخبهم الخيالية نحو الدور نصف النهائي مباشرةً، بعدما كانوا يجدون صعوبة في حضور هذا النوع من البطولات في نيويورك أو لندن.

لم تكن قطر الدولة الوحيدة التي استعرضت قوتها المالية في مجال الرياضة. قبيل فرض العقوبات على روسيا في السنة الماضية، كان الأوليغارشي رومان أبراموفيتش رئيس نادي «تشيلسي» الإنكليزي لكرة القدم، ويملك صندوق الثروة السيادي السعودي معظم الأسهم في نادي «نيوكاسل يونايتد». كذلك، وقّع النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو في الشهر الماضي على عقدٍ تصل قيمته إلى 200 مليون دولار سنوياً مقابل اللعب في نادٍ سعودي مغمور.

على غرار الرياضة، أصبح قطاع الترفيه مؤشراً بارزاً على زيادة تأثير الجنوب العالمي. يكفي أن نفكر بتغيّر أفلام هوليوود في آخر ثلاثة عقود. حصد فيلماAvatar: The Way of Water (أفاتار: طريق المياه) وTop Gun: Maverick، في العام 2022، إيرادات خارجية تفوق ما حققاه في الولايات المتحدة. انعكس تغيّر مصدر الإيرادات تدريجياً على المحتوى الذي يقدّمه صانعو الأفلام. أكدت المنتجة ليندا أوبست مثلاً أن شركات الإنتاج الأميركية باتت توافق على مشاريع مرشّحة لحصد إيرادات عالية في أسواق خارجية واسعة مثل الصين والهند.

في النهاية، يبقى الحجم عاملاً مؤثراً. ولهذا السبب بالذات، توحي الظروف بأن تنامي قوة الجنوب العالمي سيتحوّل إلى نزعة لا يمكن إيقافها.

في 24 شباط 2022، حين أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قواته العسكرية بغزو أوكرانيا، واجه قادة العالم نسخة من اختبار «رورشاخ» النفسي. لاحظ القادة الأوروبيون نشوء أزمة وجودية على حدودهم، وشاهد القادة الأميركيون انقسام العالم بين ديمقراطيات وأنظمة استبدادية، ورصد أكثر المحللين والخبراء الجيوسياسيين دقة خياراً بين السيادة والفوضى. في غضون ذلك، كان المشهد ضبابياً بالنسبة إلى قادة الجنوب العالمي ولم تكن رؤيتهم واضحة المعالم.

خلال الأسابيع والأشهر اللاحقة، حين كانت واشنطن تحشد الدعم من لندن، وبرلين، وباريس، وعواصم غربية أخرى، لإقناعها بالانضمام إلى حملة العقوبات الصارمة ضد موسكو، فضّلت أجزاء أخرى من العالم الوقوف على هامش الأحداث. حتى أن بعضها لم يتردّد في استغلال الوضع لمصلحته. قبل بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت الهند تستورد 0.2% فقط من مجموع موادها الخام من روسيا. لكن بحلول العام 2022، بات النفط الروسي يشكّل حوالى 23% من مجموع مشترياتها.

نشأت العلاقات الهندية الروسية منذ الحقبة السوفياتية، لكن أوضح القادة الهنود أنهم لا يستوردون الإمدادات من روسيا لمساعدة دولة صديقة، بل تحمل هذه العمليات طابعاً تجارياً محضاً. في هذا السياق، قال وزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، في شهر حزيران الماضي، في أحد المنتديات في سلوفاكيا: «يحق لي أن أهتم بمصالحي الخاصة». ثم دعا منتقديه الغربيين إلى «التخلي عن العقلية التي تعتبر مشاكل أوروبا أزمة عالمية، مع أن مشاكل العالم لا تشغل أوروبا».

عبّر الدبلوماسيون، من تايلاند إلى كينيا، عن الفكرة نفسها: يبدو أن الغرب يتوقع من الدول الأخرى أن تنضم إلى المبادرات التي يفضّلها، لكن نادراً ما يقدّم الدعم لمعالجة مشاكل الآخرين. كان الانسحاب الأميركي من أفغانستان مثلاً يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة على الأرجح، لكنه قضى على آمال القوى الداعمة للديمقراطية في المنطقة. وبرأي هؤلاء الدبلوماسيين أيضاً، لا تحظى الصراعات والأزمات في الدول النامية بالاهتمام الدولي بقدر مشاكل الغرب.

تقول آن ماري سلوتر، الرئيسة التنفيذية لمنظمة «نيو أميركا» والمديرة السابقة للتخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية: «يعكس ردّ الجنوب العالمي على الحرب في أوكرانيا تحوّلاً بارزاً في النظام العالمي، بما يفوق ما يعترف به معظم المحللين الأميركيين والأوروبيين. لم يعد الوضع يقتصر على حركة عدم الانحياز التي نشأت في القرن العشرين، بل تقول مجموعة من القوى البارزة (الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا، رابطة دول جنوب شرق آسيا): «هذه الحرب لم تعد حربنا. نحن لا نهتم إلا بصراعاتنا الإقليمية».

تتعلق مسألة مهمة أخرى بحصول العقوبات الأميركية على دعم الأمم المتحدة. تبقى معاقبة موسكو مستحيلة لأن روسيا تملك مقعداً في مجلس الأمن. وتطبّق بلدان كثيرة، بما في ذلك الهند، سياسة تجعلها تنضمّ إلى العقوبات التي تحمل طابعاً شرعياً ويتم إقرارها في مجلس الأمن.

تُعتبر مواقف نيودلهي في مجال السياسة الخارجية مثيرة للاهتمام لأنها تعطي لمحة عن نظرة القوى الناشئة الأخرى إلى العالم. في العام 1946، كانت الهند أول دولة تدعو إلى فرض العقوبات ضد جنوب أفريقيا بسبب الفصل العنصري. ومنذ استقلال الهند في العام 1947، صمّم رئيس الوزراء جواهر لال نهرو جزءاً كبيراً من سياسة البلد الخارجية، فأضفى طابعاً أخلاقياً على عالم الدبلوماسية. في عهد نهرو، دعمت الهند سياسة عدم الإنحياز، وتعهدت الابتعاد عن المنافسة بين القوى العظمى. لكن في السنوات الأخيرة، ولا سيما في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي، باتت الهند تهتم بمصالحها الخاصة في سياستها الخارجية، فركّزت على علاقاتها الثنائية بدل الدبلوماسية عبر كيانات بارزة مثل الأمم المتحدة، أو جماعات إقليمية مثل رابطة أمم جنوب شرق آسيا. في بعض الحالات، انضمّت نيودلهي إلى مجموعات مصغّرة مثل الحوار الأمني الرباعي الذي يشمل أستراليا، واليابان، والولايات المتحدة. لم تطلق المقاربة الهندية المبنية على التجارة أولاً ردود أفعال سلبية في الغرب، لأن الولايات المتحدة ودولاً غربية أخرى تدرك أهمية الضرورات المحلية في البلدان النامية على الأرجح. تزامناً مع تحوّل الهند إلى قوة اقتصادية وحصن منيع ضد الصين، تزداد أهمية البلد باعتباره حليفاً محتملاً للغرب. تدرك نيودلهي ما يحصل، لذا قد تتابع مساعيها لإبرام أفضل الاتفاقيات التي تفيدها في السوق العالمية (في مجالات النفط، والأسلحة، والمعادن، والتجارة، والتكنولوجيا). حين استلمت الهند رئاسة مجموعة العشرين في شهر كانون الأول، تعهدت تصدير رؤيتها في مجال السياسة الخارجية إلى دول نامية أخرى. قال جايشانكار خلال حدث في نيودلهي، في الشهر الماضي: «نحن نريد أن نصبح أبطال الجنوب العالمي. يتمتّع بلد مثل الهند بعقلية مستقلة ويستطيع لعب دور الوساطة لجلب مختلف الأفرقاء إلى طاولة المفاوضات». في السنة الماضية، عبّر سياسيون ورجال أعمال من الدول النامية عن موقف مشابه. هم يشعرون بأن الغرب سيطر على الخطاب الجيوسياسي والاقتصادي العالمي لفترة أطول من اللزوم، ويتوقعون انتهاء حقبة الهيمنة الأميركية قريباً. في عالمٍ لا تكفّ فيه الولايات المتحدة عن التقاتل مع الصين، لا يريد هؤلاء أن يضطروا للانحياز إلى طرف دون سواه. في النهاية، ما الداعي للاكتفاء بالتعامل مع شريك أساسي واحد؟ وما الذي يبرر السماح للغرب برسم معالم السياسة العالمية إذا كانت المداخيل المتزايدة للطبقات الوسطى تسمح برفع الصوت؟

في مجالات الرياضة والتجارة والدبلوماسية، لم يعد العالم أحادي القطب أو حتى ثنائي القطب بشكلٍ صريح، فقد نشأ عالم متعدد الأقطاب حيث تتصارع مجموعة متزايدة من الدول لإثبات قوتها.