تُحيي بعض العواصم الأوروبية، خصوصاً روما وباريس، الذكرى المئويّة لولادة المخرج السينمائي الإيطالي فيديريكو فيلّيني، أحد أبرز الوجوه في تاريخ السينما، من خلال العودة إلى أفلامه وعرضها في الصالات العامّة (24 فيلماً)، ومنها "لادولتشي فيتا" و"ساتيريكون" و"أماركورد" و"مدينة النساء". وكذلك من خلال الإصدارات الجديدة والندوات والمعارض. ويقام أحد هذه المعارض في مدينة ريميني حيث وُلد المخرج العام 1920، وسيكون المعرض بمثابة مقدّمة لمتحف مخصّص له وسيفتتح نهاية هذا العام.
أفلام فيلّيني تعكس نظرته الخاصّة إلى إيطاليا وعاصمتها، وإلى الفاشستيّة والسياسة بشكل عامّ، وإلى المسيحيّة وطقوسها داخل الفاتيكان، وإلى المهرّجين والوقت والوحدة والموت. مواضيع اختمرت في مخيّلة واسعة وتجسّدت في أسلوب متفرّد. أما الفاشستيّة فهو ينظر إليها كحالة دفينة موجودة قبل وصول موسوليني إلى السلطة، وهي مرتبطة بالنزوع إلى الطاعة والخنوع والخوف. يقول الناقد الإيطالي ألدو تاسّوني إنّ عالم فيلّيني "لم يُكتشَف بأكمله بعدُ، وثمّة حاجة إلى التعمّق في دراسة أعماله". وهي أعمال وضع فيها فيلّيني مواهبه كلّها. فهو رسّام وشاعر وكاتب سيناريو وحكواتي وحالم كبير. بين 1960 و1982، كان يدوّن أحلامه كلّ صباح، يعلّق عليها ويرسم من وحيها. وهذه الأحلام التي جُمعت في كتاب بعد وفاته، العام 1993، كانت منبعاً للكثير من اللقطات والمَشاهد التي ضمَّنها أفلامه، وفيها تبطل المسافة بين الواقع والحلم، بين الصحيح والمُتخيَّل، بين الماضي والحاضر.
في نتاج فيلّيني، وحتّى في أفلامه "الواقعيّة" الأولى كفيلم "لا سترادا"، كانت عين المخرج تذهب أبعد من ظاهر الكائنات والأشياء وتغوص عميقاً في الحياة الداخليّة وطبقاتها، لتكشف عن تيه النفس البشريّة وتمزّقها وبؤسها. هذا الميل إلى تعرية العالم والطبيعة الإنسانيّة يظهر بصورة أوضح بدءاً من ستينيات القرن الماضي حين أصبح اسم فيلّيني مرادفاً لابتكارات وتصوّرات لم تعرفها السينما من قبل، يصوغها بأسلوب آسر يلامس حدود الشطح والهذيان. كان يعرف أنّ بإمكان الفنّ أن يأخذ الواقع إلى فضاءات أكثر اتّساعاً وأن يُجَمِّله ويجعله قابلاً للعيش. لذلك يصبح الفنّ جزءاً من المخيّلة العامّة، وهويّة حميمة أكثر صدقاً وصلابة من الهويّات الجغرافيّة المعرّضة للاهتزاز والعنف.
شاعر هو فيلّيني لكنّه، في أفلامه، لا يكتب الشعر بالكلمات بل بالضوء. ألا يقول هو نفسه إنّ الضوء هو كلّ شيء في السينما؟ "إنه العاطفة واللون القاطع والمناخ والحكاية والأسلوب". وما يعنيه، في المقام الأوّل، هو الأسلوب بالذات، وهو طريقته في رؤية الأشياء، لا المواضيع التي ينطلق منها. وهذا ما يميّز بين مُخرج وآخر، بين عمل سينمائي وآخر. كان فيلّيني يعيد ابتكار حياته في كلّ فيلم ينجزه، كما يعيد ابتكار طفولته، كأنّ عبقريّة الإبداع، بمعنى ما، ووفق ما قاله الشاعر الفرنسي شارل بودلير، هي "استرجاع الطفولة بمقدار ما نريد". غير أنّ فعل التذكُّر ليس استعادة حرفيّة للواقع وليس فعلاً جامداً تُجمع فيه الذكريات كصُوَر داخل ألبوم، بل عمليّة متحرّكة تبعاً للأحاسيس التي رافقت هذا الحدث أو ذاك من حياتنا. بالنسبة إلى فيلّيني، أن يتذكّر المرء لحظات من ماضيه هو أن يحوّل الأحداث التي عاشها، فيصبح الماضي شيئاً آخر ولا يعود هو نفسه تماماً حين نتذكّره.
سينما فيلّيني التي تحتشد فيها طاقات وإمكانات متعدّدة تولي أيضاً اهتماماً خاصاً بالإيقاع والموسيقى. الموسيقى التي واكبت معظم أعمال المخرج الإيطالي وتحمل توقيع نينو روتا، ليست تزيينيّة أبداً، بل هي جزء لا يتجزّأ من الحكايات المرويّة، وكانت أحياناً مصدر وحي لعدد من الصور واللقطات.
تشي أفلام فيلّيني الأخيرة، ومنها "وتمضي السفينة" و"مقابلة" و"صوت القمر"، بطعم الخسارة والفَقد في عالم يتّجه نحو الدمار والتلاشي، لكن من دون أن يفقد الأمل في شعاع شمس يطلّ قبل أوان الصمت الأخير. هاجس الموت رافق فيلّيني طوال حياته، وتجلّى في معظم أعماله، وبصورة شديدة الخصوصيّة في فيلمه "المهرّجون" الذي دفعه إلى القول: "نحن ألغاز داخل ألغاز"، وغذّى في نفسه النظرة العبثيّة إلى العالم، لكنّها العبثيّة المدهشة والرائعة كما صاغها في أفلامه، تلك الأفلام التي تمثّل بعض أجمل وأعمق ما قدّمه إلينا الفنّ السابع.