جوزيف حبيب

"البراغماتي" أردوغان يُقاتل من أجل "ولايته الأخيرة"

26 كانون الثاني 2023

02 : 01

يعمل أردوغان على تسخير كلّ قضيّة وملف لصالحه وصالح حزبه (أ ف ب)

وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نصب عينيه تاريخ 14 أيّار الذي حدّده موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في البلاد، وأعاد ضبط عقارب «ساعته السياسيّة» على توقيت هذا الاستحقاق المفصلي. ليس صدفةً بالنسبة إلى «الديكتاتور الإسلامي»، كما يحلو لكثيرين في الغرب وصفه، اختيار هذا اليوم بالذات. ففي 14 أيار 1950، فاز الحزب الديموقراطي المحافظ الذي أسّسه عدنان مندريس، مثال أردوغان الأعلى، في الانتخابات، قبل أن يُطاح برئيس الوزراء السابق بانقلاب عسكري بعد عقد من الزمن ويُعدم شنقاً بعد عام من ذلك. وأراد أردوغان من خلال هذه الخطوة الرمزيّة، دغدغة مشاعر قاعدته الإسلامية وتحفيذها للمشاركة بكثافة في الإنتخابات المقبلة التي تُعتبر مصيريّة بالنسبة إليه.

يعمل أردوغان على الجبهات الداخلية والخارجية على حدّ سواء، بنشاط وبراغماتيّة مطلقة رغم خلفيّته وتوجّهاته الإسلامية، على تسخير كلّ قضيّة وملف لصالحه وصالح حزبه الحاكم «العدالة والتنمية» في خضمّ أزمة معيشيّة خانقة تمرّ بها تركيا. فاللاعب الهاوي السابق لكرة القدم كان قد لمّح نهاية العام الماضي إلى أنه سيسعى للفوز بولاية رئاسية أخيرة، قبل تسليم «الراية المقدّسة لشبابنا!». وقد بدأ أردوغان بسياسة إضعاف خصومه الداخليين وشرذمتهم، مستخدماً بشكل خاص «سلاح القضاء». وبالفعل، فقد صدر في كانون الأوّل الماضي حُكم بسجن رئيس بلدية اسطنبول المعارض البارز أكرم إمام أوغلو لأكثر من عامين ومنعه من ممارسة العمل السياسي لنفس المدّة بعد إدانته بـ»إهانة شخصية عامة» عام 2019.

وبانتظار ما سيصدر في الاستئناف بهذه القضيّة التي قد تُبتّ بسرعة تحت ضغوط سياسية من الحزب الحاكم لابعاد إمام أوغلو نهائيّاً من «المشهد الانتخابي»، وفيما حُكم كذلك على رجل الأعمال المعارض عثمان كافالا بالسجن مدى الحياة، كان لافتاً طلب المدعي العام من المحكمة الدستورية هذا الشهر، حظر حزب «الشعوب الديموقراطي» الممثّل للأكراد، وهو يُعتبر ثالث أكبر حزب في البرلمان التركي، تحت حجّة «الإرهاب»، بعدما علّقت المحكمة الدستورية سابقاً المخصّصات المالية العامة المقدّمة للحزب. علماً أن «الشعوب» لم ينضمّ إلى تحالف «طاولة الستة» الذي يتشكّل من 6 أحزاب معارضة، أبرزها حزب «الشعب الجمهوري»، تسعى إلى إلحاق الهزيمة بأردوغان، والتي لم تُعلن بعد عن مرشّحها الذي سيواجه الأخير، بينما يجري التداول إعلاميّاً بأن التحالف قد يختار زعيم «الشعب الجمهوري» كمال كلشدار أوغلو ليكون مرشّحه.

وعلى الجبهة الداخليّة أيضاً حيث يكتوي المواطنون الأتراك بالتضخّم الهائل ويغرقون بديونهم المتراكمة، كشف أردوغان عن «هدية ثمينة» للناخبين لكسب ودّهم، هي عبارة عن مشروع قانون مقترح من قبل «العدالة والتنمية» من شأنه تخفيف أعباء الديون الصغيرة وبعض المخالفات المرورية والغرامات المستحقة للمؤسسات العامة عن ملايين الأشخاص. ولملف اللاجئين السوريين الذين يعدّون أكثر من 3.5 ملايين في تركيا، ثقله في الصراع الداخلي، خصوصاً مع اشتداد وطأة الأزمة الاقتصادية التي يُحمّل قسم كبير من الرأي العام، جزءاً منها، لأعباء استقبال هذا العدد الهائل من اللاجئين لسنوات طويلة.

وليس التقارب الأخير بين أنقرة ودمشق بمعزل عن ملف اللاجئين، الذي يسعى أردوغان بتصميم كبير إلى ايجاد حلول له عبر إقامة «منطقة عازلة» في الشمال السوري، تكون خالية من عناصر «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد)، حيث يستطيع اللاجئون العودة إليها والعيش فيها. ويكون الرئيس التركي بذلك قد ضرب «عصفورَين بحجر واحد» من خلال إعادة اللاجئين السوريين وإبعاد المقاتلين الأكراد عن حدود بلاده مع سوريا. ولتحقيق هذه الغاية وغيرها، فتح «صفحة جديدة» مع دمشق بدأت بلقاءات على مستوى أجهزة المخابرات لتتوّج نهاية العام الماضي باجتماع لوزيرَي دفاع البلدَين في موسكو بحضور نظيرهما الروسي، وستُستكمل بلقاء بين وزيرَي الخارجيّة لتمهيد الطريق للقاء قمّة بين أردوغان والرئيس السوري بشار الأسد، علّه يُحقّق بعض أهداف أنقرة من دون أن تضطرّ إلى شنّ عمليّة برّية واسعة تُلوّح بها منذ أشهر ضدّ «قسد».

وفي سياق إعادة إحياء سياسة «صفر مشكلات»، ولو «على القطعة»، كان الرئيس التركي قد عبّد الطريق سابقاً مع دول الخليج العربي وفتح الباب واسعاً لكي تستثمر في قطاعات متنوّعة في بلاده، فضلاً عن وضعه القطار على سكّة تطبيع العلاقات مع مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أطاح بحكم «الإخوان المسلمين»، الذين تُضيّق الخناق حول تحرّكاتهم في تركيا. وإلى جانب عودة علاقاتها مع إسرائيل وتفعيلها، برزت أنقرة كلاعب محوري على خطّ الحرب الروسيّة ضدّ أوكرانيا، عبر توسّطها بين موسكو وكييف في مناسبات عدّة، كان أبرزها توقيع اتفاق «مبادرة حبوب البحر الأسود» في اسطنبول، لتصدير الحبوب الأوكرانية عبر مضيق البوسفور إلى العالم، وتمديده لاحقاً، وتسهيل تبادل أسرى الحرب بين الطرفين.

لكنّ تصفير المشكلات في السياسة الخارجيّة ينطبق فقط على الملفات التي قد تُحقّق مكاسب داخليّة للرئيس التركي وتصبّ في المصالح الحيوية للدولة التركية وأمنها القومي، أقلّه كما يراها «السلطان» أردوغان، في حين لا يُمانع الأخير من تسعير بعض الخلافات مع الخارج، خصوصاً تلك التي تشدّ «العصب الديني» وتضعه في موقع «المدافع عن الإسلام والمسلمين» في نظر أنصاره ومؤيّديه. ولقد أتته مسألة إقدام السياسي اليميني المتطرّف السويدي - الدنماركي راسموس بالودان على إحراق نسخة من المصحف أمام سفارة تركيا في العاصمة السويدية ستوكهولم، وبعدها قيام قيادي هولندي في حركة «بيغيدا» اليمينيّة بتمزيق صفحات نسخة من المصحف قبل أن يدوسها برجليه وتمنعه الشرطة لاحقاً من حرقها قرب مجلس النواب الهولندي، على «طبق من فضّة» ليجعل منها «قضيّته» قبل الانتخابات.

وعمد أردوغان على عرقلة عمليّة إنضمام فنلندا والسويد إلى «حلف شمال الأطلسي» بغية تحقيق أكبر قدر ممكن من التنازلات من الدولتين، خصوصاً السويد، لا سيّما عبر تسليم شخصيات كرديّة تُطالب بها أنقرة بتهم «الإرهاب»، قبل الموافقة على دخولهما الناتو. وهذه العمليّة برمّتها تعقّدت وعُلّقت أقلّه إلى ما بعد 14 أيّار، ما دفع فنلندا إلى التفكير جدّياً بتخلّيها عن قرار «الإنضمام المشترك» ودرس احتمال دخولها الحلف بلا السويد، التي تتصاعد حدّة أزمتها مع تركيا دراماتيكيّاً. وإضافةً إلى التأزّم مع ستوكهولم، فضلاً عن دعمها اللامحدود لأذربيجان سياسيّاً وديبلوماسيّاً وعسكريّاً في مقاربتها العدوانيّة ضدّ أرمينيا و»جمهوريّة» أرتساخ، توتّر تركيا الأجواء الديبلوماسيّة والعسكريّة مع الجار اليوناني بين الحين والآخر، إن في تحدّي أثينا بسيادتها على جزر بحر إيجه وإن عبر تسهيلها تدفّق المهاجرين غير الشرعيين عبر «قوارب الموت» إلى الجزر اليونانية.

الحملة الانتخابية ستنطلق رسميّاً في 10 آذار، لكن مع اقتراب موعد الاستحقاق المنتظر، يُسخّر أردوغان كلّ طاقته وإمكانيّاته وما في جعبته للقتال في معركة التجديد لنفسه لولاية رئاسية أخرى وتأمين فوز حزبه في الانتخابات التشريعية، وهو يعلم يقين العلم أن هذا النزال قد يكون الأصعب له في مسيرته السياسيّة الحافلة التي بدأها رئيساً لبلدية اسطنبول في العام 1994 ويريد ختامها من موقع «القائد المنتصر»، إذ ينشط قادة تحالف «طاولة الستة» لقطع الطريق أمامه وأمام حزبه. لكن هل يتّفق القادة الستة على دعم ترشيح شخصيّة واحدة قويّة لمواجهة أردوغان؟ وهل يكون الاقتصاد «المسمار الأخير» في «نعش» أردوغان السياسي بعدما كان المحرّك الأساسي لصعوده الشعبي؟ أم أن الرئيس «البراغماتي» يستطيع بحنكته السياسيّة الماكيافيليّة المعهودة أن «يسحر» الشارع التركي من جديد بشعاراته ووعوده، ويضمن بالتالي تربّعه مرّة أخرى على رأس دولة تنتظرها استحقاقات اقتصاديّة وجيوستراتيجية مفصليّة؟ تاريخ 14 أيّار بات قريباً، لننتظر ونرَ.