بعد حملة مستمرّة منذ عام وملايين أنفقها المرشّحون الديموقراطيّون في ولاية أيوا، التي افتتحت الإثنين الانتخابات التمهيديّة، كان الحزب الثلثاء عاجزاً عن نشر أي نتائج، في "إخفاق فضائحي" في التنظيم و"كارثة سياسيّة" سارع الرئيس الجمهوري دونالد ترامب إلى استغلالها لصالحه.
وعدم صدور نتائج يحرم المرشّحين من الزخم الذي يولّده التصويت في هذه الولاية التي تفتتح تقليديّاً الاقتراع منذ السبعينات. ولم يتصدّر أي فائز الصحف الأميركيّة الثلثاء، وسرعان ما سيتحوّل اهتمام الإعلام إلى الخطاب حول "حال الاتحاد" الذي سيُلقيه ترامب مساء الثلثاء في الكونغرس، قبل تبرئته المرتقبة الأربعاء في مجلس الشيوخ، حيث يُحاكم ضمن آليّة لعزله.
وأُرجئ إعلان نتائج اقتراع المجالس الانتخابيّة التي تُعرف بـ"كوكس" في أيوا، بسبب ما وصفه الحزب الديموقراطي بوجود "تناقضات" في البيانات، فيما رأت وسائل إعلام أميركيّة ما تشهده ولاية أيوا، بالبداية المحرجة للغاية لعمليّة اختيار ممثل للحزب في السباق الشاق إلى البيت الأبيض.
وبعد ليلة من الارتباك وعدم اليقين، أعلن الحزب الديموقراطي أنّه سينشر "نصف النتائج" عند الساعة 22:00 (ت غ) الثلثاء، وذلك بعد "التأكد يدويّاً من نتائج الدوائر كافة"، مبرّراً تأخير صدور النتائج بظهور "عدم تطابق" في الأرقام، وأوضح أنّه يُريد التثبّت من صدقيّة المعطيات، بينما أشار العديد من التقارير إلى مشكلة تقنيّة في التطبيق الذي يستخدمه مسؤولو مراكز الاقتراع الـ1700.
وبعد ساعات طويلة على انتهاء التصويت في أيوا، بدا الحزب الديموقراطي بالفعل محرجاً أمام الرأي العام الأميركي لعدم قدرته على إصدار النتائج التي تصدر عادةً بعد بضع ساعات قليلة، في حين أوضح متحدّث باسم الحزب أن "هذا ليس عمليّة قرصنة أو تدخّلاً".
وتعليقاً على الإرباك الكبير في "كوكس" أيوا، شنّ ترامب هجوماً لاذعاً على الحزب الديموقراطي، وقال في تغريدة عبر "تويتر": "كوكس الديموقراطيين كارثة مطلقة. لا شيء يعمل، تماماً مثلما قادوا البلاد". وأضاف في تغريدة أخرى: "الخطأ ليس خطأ أيوا، بل خطأ الديموقراطيين الذين لا يفعلون شيئاً. طالما أنّني رئيس، ستبقى أيوا حيث هي. تقليد مهمّ!".
وتساءل ترامب: "متى يبدأ الديموقراطيّون إلقاء اللوم على روسيا، روسيا، روسيا، بدل عدم كفاءتهم للتصويت الكارثي الذي حدث للتو في ولاية أيوا العظيمة؟"، في وقت فاز ترامب في مجالس الناخبين الجمهوريين في أيوا، في إجراء شكلي. وقال في تغريدة: "الشخص الوحيد الذي يُمكنه الإعلان عن نصر كبير جدّاً في أيوا الليلة الماضية، هو ترامب"، مضيفاً: "فوز كبير لنا في أيوا الليلة. شكراً!". يُشار إلى أن ترامب يحظى بأعلى نسبة قبول له بين المواطنين الأميركيين منذ توليه الرئاسة قبل ثلاث سنوات، وتتراوح بين 49 و53 في المئة على الصعيد الوطني، إذ تختلف النسبة بين مؤسّسة وأخرى.
وذكرت شبكة "أن بي سي" أن الخاسر الوحيد حتّى الآن في أيوا هو الحزب الديموقراطي، معتبرةً أن الفشل التقني لـ"كوكس" أيوا الضخم سيجعل تبرير الوضع الذي تحظى به أيوا كأوّل ولاية لها شرف افتتاح الانتخابات كلّ أربع سنوات، صعباً، في حين سارع مرشّحان ديموقراطيّان إلى ملء الفراغ بإعلان فوزهما، وهما السيناتور اليساري بيرني ساندرز الذي كان يتصدّر استطلاعات الرأي وكاد يهزم هيلاري كلينتون في أيوا قبل أربع سنوات، ورئيس البلديّة السابق الشاب المعتدل بيت بوتيدجيدج. أمّا نائب الرئيس السابق جو بايدن، فبدا أن أداءه كان سيّئاً على ضوء أرقام بعض مكاتب التصويت الكبرى وتقديرات نشرها فريق حملة ساندرز.
وفي هذا الإطار، نشر فريق حملة ساندرز ليل الإثنين - الثلثاء بياناته الخاصة الجزئيّة التي تشمل حوالى 40 في المئة من مراكز التصويت، وهي تضعه في الصدارة بحصوله على 28.62 في المئة من الأصوات، يليه بوتيدجيدج (25.71 في المئة) ثمّ إليزابيث وارن (18.42 في المئة)، وهي أيضاً من الجناح اليساري للحزب. وأهمّ ما تكشفه هذه الأرقام في حال تأكدت صحّتها، هو الأداء السيّئ لبايدن (77 عاماً) الذي حلّ في المرتبة الرابعة بحصوله على 15.08 في المئة بعدما بقيَ لأشهر في الطليعة في استطلاعات الرأي على المستوى الوطني. وتلي بايدن مباشرةً السيناتورة المعتدلة إيمي كلوبوشار، التي لم تتقدّم يوماً على المستوى الوطني.
وتحت ضغط الحملة الإنتخابيّة المتواصلة، غادر المرشّحون الديموقراطيّون أيوا متوجّهين إلى نيو هامشير، التي ستُنظّم انتخابات تمهيديّة في 11 شباط، تتمّ بواسطة بطاقات اقتراع وليس من خلال مجالس انتخابيّة كما في أيوا، التي تعتمد نظاماً قديماً يقوم على المجالس الانتخابيّة، وهي تجمّعات ناخبين يتكتّلون داخل كلّ مركز اقتراع تحت راية مرشّح ما، مع احتمال إعادة توزيعهم على مرشّحين آخرين بعد الدورة الأولى. ولطالما لقيَ هذا النظام تنديداً باعتباره يحدّ من المشاركة ومخالفاً للديموقراطيّة، إذ لا يُراعي سرّية التصويت. وينشر المرشّحون مراقبين في كلّ مكاتب التصويت وتصدر فرق حملاتهم تقديراتها الخاصة للنتائج.
وفي قراءة موضوعيّة لما حصل مع الديموقراطيين، قال الأستاذ في جامعة فرجينيا لاري ساباتو لوكالة "فرانس برس": "كان بوسع المرشّحَيْن الأوّلَيْن، وهما على الأرجح ساندرز وبوتيدجيدج، استغلال أدائهم للانطلاق في نيو هامشير. عوضاً عن ذلك، تتصدّر الأخبار قلّة كفاءة الحزب الديموقراطي الصادمة في أيوا"، متسائلاً: "من سيُصدّق النتائج حين تصدر أخيراً؟".