إيفون أنور صعيبي

موازنة 2019... وهْم منجز أم إنجاز وهْمي؟

12 تموز 2019

11 : 20

lbp

يقول كارل ماركس: "إن التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة... اما الثالثة والرابعة والخامسة فحدث ولا حرج...!"، نظرية ماركس هذه منطلقة من ان في السياسة، من الممكن ان تتكرر الاحداث على المنوال عينه، لكن عندما تتعلق المسألة بالاقتصاد فمن المستبعد ان يعيد التاريخ نفسه.. إلا في بلد كلبنان...

من يدرك الفرق بين الوهم المنجز والانجاز الوهمي؟! طبعا، السؤال في "ملعب" السياسيين. بين الوهم والحقيقة، والمقبول واللامعقول قد تولد حقائق فيما تختفي أخرى. اما "الانجازات" و"البطولات" فغالباً ما تُشترى وتُباع في كواليس "الحلبة" واحياناً قبل بدء الصراع. والمواطن؟! يُحرّك تماماً كأحجار الشطرنج.

من تمعّن في مقررات مجلس الوزراء وفي الخطة الاصلاحية التي أقرت في العام 1997 لظنّ لبرهة ان السفر عبر الزمن لم يعد مجرد نظرية واهية بل أصبح واقعاً ملموساً، على اعتبار ان كل الوعود التي يحملها مشروع موازنة العام 2019 ليست سوى "أسطوانة" تتكرر منذ ذلك الوقت بدءاً من الحد من الهدر وصولاً الى وقف التوظيف في القطاع العام (وهو المشكلة الاكبر). وحتى اليوم لم تتخذ أي تدابير لتخفيض عدد الموظفين في القطاع العام، المبالغ فيه أصلاً والذي يبلغ 35% من الناتج المحلي والذي يزيد من اعباء الدولة نظراً لكون غالبية هذه التوظيفات تحصل بطريقة عشوائية ومبنية على أسس طائفية وحسابات ضيقة.

لكن المفارقة تكمن في اننا بتنا اليوم في سباق مع الزمن ليس فقط بسبب الازمة المالية والمخاوف من الانهيار الذي بات محتماً فحسب، بل ايضا لناحية اتخاذ القرار قبل فوات الاوان خصوصاً بعد ما حصل في قبرشمون وما تبعه من اختلال وتوترات وتصعيد على الساحة الداخلية.

موازنة بلا رؤية

لا ترتكز الموازنة المطروحة على رؤية واضحة بل على حسابات محصورة بكيفية ايجاد موارد لتغطية نفقات لم نقم بالجهد الكافي لحصرها.

"الموازنة هذه هي خطوة تأسيسية للتخلص من القطاع العام واعبائه خصوصاً سلسلة الرتب والرواتب"، يوضح الخبير في الشؤون المالية العامة غسان بيضون.

"من غيرالممكن لهذه الموازنة الاعتباطية ان تصلح العجز المتراكم على مر الاعوام. من الواضح ان الخطة الاصلاحية المطروحة ليست خطة جدية بل هي كناية عن لملمة اجراءات اعتباطية على حساب موظفي الدولة"، يضيف بيضون.

لم يشهد تاريخ الموازنة العامة في لبنان مثل النقاش والجدل والانتقاد الذي طال وتناول مشروع موازنة 2019. أما السبب فواضح وهو فشل الوعود والسياسات المالية والنقدية وخيارات الحكومات المتعاقبة اعتباراً من العام 1993، والتي انعكست عجزاً مالياً متراكماً قابلته مديونية متفاقمة، تخللته عمليات "إعادة هيكلة للدين العام"، تكرر النص عليها في مختلف قوانين الموازنة العامة العائدة لتلك الفترة. وما التغاضي عن الخلافات السياسية لانجاز الموازنة الا تسابق لـ "شفط" ما ننتظره من "سيدر" بما انه سيكون الفرصة الاخيرة امام لبنان.



وما انتهت إليه جلسة لجنة المال والموازنة من نتائج فالأرجح أنه أخذ في الاعتبار مخاطر عدم الاستقرار التي أدى إليها تسارع الأحداث والتطورات على المستويات المالية والأمنية والسياسية التي أدخلت البلاد في حالة سباق مع الزمن وانعكست سلباً على العمل الحكومي، بالتزامن مع تهويل أكثر من مرجعية غير محايدة بانهيار الأوضاع المالية، فاستدعت هذه العوامل مجتمعة وقف النقاش الذي تحول إلى جدال لا ينتهي حول ما انطوى عليه مشروع موازنة العام 2019 من تعديلات وتدابير ضريبية هزيلة في مواجهة مخاطر جسيمة رافقتها اعتراضات جدية وصاخبة، لا سيما حول معاشات تقاعد العسكريين والإداريين والمس بغيرها من التعويضات والحقوق المكتسبة. في هذا الاطار يتفق غالبية الخبراء ان المشكلة الفعلية تكمن في عدم امكان معرفة وضعية المالية العامة الا من خلال حسابات مدققة ومعلومات موثوقة، وهذا ما نفتقر اليه.

من جهته يستبعد عضو كتلة الوسط المستقل النائب نقولا نحاس ان "يتم الطعن في مشروع الموازنة الحالي على اعتبار انه دستوري ولا يخالف القوانين المرعية الاجراء. لم تقم الموازنة المطروحة بالاعتداء على الحقوق. بل ما قامت به هو اعطاء اشارات ايجابية للمجتمع الدولي كما والمحلي الى ان رحلة الالف ميل الاصلاحية قد بدأت فقد تم تخفيض الموازنة بما يناهز الـ 500 مليار ليرة، واضافة الواردات، من خلال مواد قانونية اتفق عليها مع وزارة المال، في ظل توقعات لتخفيض العجز من 7.59% إلى 6.8%".

عضو كتلة لبنان القوي النائب ألان عون يعتبر ان "النقاشات قد أسقطت ضريبة الـ2 %على البضائع المستوردة واستعاضت عنها برسوم نوعية على 1500 منتج بين 2 و7 % وقد اتفق وزيرا المال والاقتصاد على اقرار جدول من 1500 سلعة لتطبيق هذا البند عليها". عن امكان الطعن في الموازنة يرى عون انه "ان وجد 10 نواب فمن الممكن ان يتقدموا بطعن امام المجلس الدستوري. لكن السؤال على ماذا سيرتكزون؟ ففي ما خص حقوق المتقاعدين اتخذت الصيغة المطروحة الكثير من المشاورات والنقاشات وقد سعينا ان نتوصل الى النتيجة النهائية بتوافق من الجميع وقد تم ابلاغنا ان العسكريين قد وافقوا عليها".




موازنة غير دستورية

لناحية دستورية الموازنة يوضح مصدر قانوني ان "الموازنة قد قامت بتعديل قوانين كثيرة كالسير والدفاع والقضاء...وغيرها، وهذا ما يعرف بـ "أحصنة الموازنة" (Cavaliers Budgetaires) كما انها تطاولت على الحقوق المكتسبة، من هنا فهي قابلة للطعن".

العميد المتقاعد جورج نادر يقول ان "احداً لم يسأل العسكريين المتقاعدين عن رأيهم. فالنقاشات اقتصرت على الضباط النواب الستة. اما نحن فغير راضين عما أقرّته لجنة المال والموازنة لأن قراراتها مخالفة للدستور وللقوانين. لم تقم أي دولة في العالم بفرض ضريبة على المعاش التقاعدي. كما ان فرض ضريبة على الطبابة العسكرية مخالف لقانون الدفاع الوطني الذي ينص على أن الطبابة للعسكريين ولعائلاتهم مجانية. هذه الموازنة أقرب لتكون حسابات "دكّنجي" ، لذا نحن مستمرون في تحركاتنا تزامناً مع جلسات الهيئة العامة التي من الممكن ان تبطل ما أقرته اللجنة".

إن التدابير التي انطوى عليها مشروع الموازنة أو جرى طرحها وتداولها خلال مناقشتها وما سمعناه من تدابير واوراق إصلاح مالي واقتصادي واداري لتعزيز النمو ليس جديداً . وقد سبق لمجلس الوزراء أواخر العام 1997 أن وافق عليها. ولم ينتج منها أي إصلاح على أي مستوى!

على أي أساس يمكن توقع نتائج إيجابية من تدابير الموازنة طالما ليس هناك أي تغيير فعلي في واقع الإدارة وتفعيل الأجهزة الرقابية، التي يشكل أداؤها الأساس في إحداث التغيير المتوخى؟ وبما ان القوى السياسية الممثلة هي نفسها في الحكومة وفي البرلمان فكيف اذاً يزعم النواب أنهم أجروا تحسينات على مشروع الموازنة الذي أعدته الاطراف عينها؟ وطالما تعجز الموازنات المتعاقبة عن الاجابة على هذين السؤالين، تبقى الموازنة، موازنة كارتيلات، وموازنة تناقضات، وموازنة الاستسلام تجاه الفساد، وموازنة تكريس عجز الادارة المالية والضريبية، وتكريس السياسة النقدية ومصلحة المصارف على حساب المواطن.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.