الشاعرة أمل طنانة: غضب الشّاعر ينبض في قلب المقاوم في ظل كل ما يحدث في العالم العربي بشكل عام وفي فلسطين بشكل خاص تزامناً مع ما يسمى بـ"صفقة القرن"، لا بد من التساؤل عن أهمية الشعر السياسي اليوم في المواجهة، وفي ممارسة دوره في خلق الحماسة والوعي وتأصيل الفكر الثوري. وفي هذا الإطار تشير رئيسة ملتقى الأدباء والشعراء اللبنانيين الشاعرة أمل طنانة في حديث لـ"نداء الوطن" الى أن "الشّعر بحدّ ذاته ليس بندقيّة. لكنّ البندقيّة تحتاج إلى قلب ينبض خلف زنادها. يسدّد فوّهتها إلى صدر العدوّ، ويحشوها بالغضب. هذا القلب ليس إلّا الشّعر والقصيدة. وغضب الشّاعر يمكنه أن ينبضَ في قلب المقاوم، ويدسّ الإرادة واليقينَ في عمله الجهاديّ". وتضيف أن هذا الشعر بحد ذاته لم يتراجع، إنّما هم من وصفتهم بـ "شعراء التّكسّب، ذوي المناعة الضّعيفة أمام مغريات الحياة". وتابعت أنه مع ظاهرة شراء أقلامِ الشّعراء، تضاءل صوت الشّعر المقاوم، وصُرفت أصوات الشعراء عن القضيّة الكبرى. طنانة كانت لها محطات شعرية عدة في مواجهة الاحتلال من خلال الشعر، مثل تحرير الجنوب العام 2000، وانتصار تموز العام 2006. كما كتبت عن معاناة عدد من الدول العربية، وخاصة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي. وفي هذا الإطار توضح أمل :"هي ليست محطّات. إنّما مشاعر اخترقت قلبي وانغرست في روحي، وألزمتني بتحويلها إلى كلمات. المقاومة في لبنان خلقتني من جديد. عالجت الكثير من إحباطاتي القديمة، وأشعلت في قفر قلبي أعشاب الحياة. وفي الواقع إنّ القصائد الّتي كتبتُها في هذه المناسبات هي الّتي كتبتني. لم أكن أقصد أن أكتب رسائل لأحد. كنت أودّ أن أعيش حالةً من الكبرياء الّتي لطالما عشتُ أحرّ معاني التّوق إليها، فوهبتني إيّاها المقاومة بلا مقابل، ومنحتني شرف التّغنّي بإنجازاتها العظيمة لأكون بمستوى الكتابة عنها وإليها". وعن "صفقة القرن"، تعتبر طنانة أن "هذه الحادثة أرخص من الحبر الّذي يعلّق عليها". وتتابع :"نحنُ نحتاجُ إلى شعرٍ يؤكّد قيم المقاومة المسلّحة، فهي وحدها تجسّد الردّ الأكيد. وأمّتنا اليوم تعيش حالة مخاض مختلفة عن كلّ ولادات التّاريخ. والكون يلاحظ أنّ الأحداث تهيّئ لانتصار أعظم من كلّ ما مرّ على البشريّة". واختارت هذين البيتين من قصيدتها "موعد العمر" الّتي أهدتها إلى سيّدات فلسطين "القابضات على مفاتيح حلمهنّ بالعودة الحتميّة"، كردّ ملائمٍ : "سبعين عامًا وفي جيبي تغوصُ يدي أزيّت العهدَ كي لا يصدأ الحنقُ أرقّعُ الأملَ المنسوجَ من غضبي وأسكبُ الحبرَ كي لا يظمأَ الورقُ.." من جهة أخرى، وجّهت أمل رسالة الى الشعراء الشباب اليوم وقالت :" أحسنوا اختيار القصيدة. فقصيدة تهبكم الخلود، وقصيدة تهبكم المال. وشتّان ما بين باقٍ وراحلٍ. خلّدوا أقلامكم وأعزّوا أنفسكم بقيم المقاومة". |
|
الشاعر أدهم الدمشقي: نعيش اليوم انفصالاً بين العمل الفني والمقاومة
في المقابل، للشاعر أدهم الدمشقي رأي مختلف. فمن خلال قراءة تاريخية للشعر السياسي والوطني، تحدث عن نوع من الشعر كان يندرج تحت خانة الشعر السياسي رغم أنه كان مستقلاً، مثل شعر المدح بالأمراء والخلفاء. ويشير أدهم في حديث لـ"نداء الوطن" الى أنه شخصيا لا يفصله عن السياسة، حيث يرى فيه بعداً سياسياً وغاية للحصول على مكسب من خلال السياسة. ويتساءل: "الى أي مدى كانت هذه النصوص بالحقيقة صادقة وتحمل انتماء للقضية أكثر من كونها وسيلة لمكسب؟ وهذا ما بررته القصائد بحد ذاتها، حيث أن الشاعر نفسه كان يمدح الوالي حيناً ويهجوه حينا آخر تبعاً للمصلحة". واليوم، يؤكد الدمشقي أن القضية الفلسطينية هي الشاغلة للعالم ككل. وأنّ أي عمل فني ينسج حولها، يطرح أيضا تساؤلات حوله، كونه مرتبطاً بالزمان والمكان والحدث. ويضيف :"هناك شعراء كبار لا شك في مصداقيتهم تجاه ما قدموه للقضية الفلسطينية من خلال إبداعاتهم الشعرية، لكنهم اقترنوا بزمن كانت تعيش فيه فلسطين ثورة حية، مع التأكيد المطلق أن فلسطين هي قضية كل الأزمنة وهذا أمر مسلّم به ولا شك فيه أبدا، لكن حين تتحول أرضها الى معركة كبرى غير المعركة الأم، توازياً مع انقسامات داخلية وغايات شخصية باستغلال هذه الأرض من قسم من أهلها قبل أعدائها، لا بدّ من طرح تساؤل حول ما يكتب عنها". وتابع :"بات هناك تضخم بالفنون عن هذه القضية من دون أن يتزامن ذلك مع مقاومة شعبية على الأرض. وكأن هناك انفصالا بين العمل الفني وبين المقاومة الشعبية، بينما في السابق كانا شخصاً واحداً. حيث أن الشاعر كان يمكن أن يكون هو نفسه من يرمي الحجر أو يحمل البندقية، أو على الأقل كان يكتب القصيدة في اللحظة نفسها التي ترمى فيها الحجارة على الاحتلال. هذا ولا ينكر الدمشقي مجهود كل من لا يزال يدافع عن هذه القضية، لكنه يعتبر أن هناك تقاعسا اليوم في هذا الموضوع. ويسأل :"هل الشعر يخدم القضية اليوم، أم أنه فقط يعزز نشوة الشاعر بتمتعه بأنه كتب عن فلسطين، من دون أن يترافق ذلك مع أي شيء آخر، والمقاومة المسلحة تحديدا؟". |
|
الشاعر وسام رحال: الشعر ينقل ذاكرة إلى جيل مقبل من جهته، يصف الشاعر السوري الفلسطيني وسام رحال الشعر بأنه أعلى أنواع الكلام بلاغةً وتصويراً ونغماً. وقد اتخذ مكانه عبر التاريخ منذ أن كانت القبيلة عاجزة عن تحقيق النصر في المعارك من دون شاعرها. كما يرى في حديث لـ»نداء الوطن» أن الشعر السياسي كان في السابق يلعب دور الوسائل الإعلامية في التأثير على الرأي العام. لكن في ظل توسّع الإعلام وأساليبه وطرق دعمه، إضافة الى انشغال الناس بتأمين قوت يومهم، تراجع الشعر السياسي كثيرا في ممارسة دوره خلال الفترة الأخيرة. واعتبر أن أهم ما يمكن أن يقدمه الشعر السياسي الفلسطيني اليوم هو هدم الواقع كلياً بكافة مسمياته، وإعادة إنتاج مسميات جديدة ووعي جديد وإيديولوجيا فلسطينية بالكامل، ويقول :»يحتاج الشعر السياسي أن يكون وقحاً لدرجة لا تستثني أحدا، وأن ينطلق بعد ذلك ليحرّض على فتح طريق المقاومة». وتابع :»من خلال الشعر أستطيع أن أنقل حنيناً وذاكرة لجيل قادم. ألم يعوّل الاحتلال منذ بداياته على ذاكرة الأجيال؟ وأن جيلاً ما لن تخطر بباله فلسطين؟ فمن المسؤول سوى الفن والشعر عن زرع بلد كامل في ذاكرة جيل مبعدٍ عن أرضه؟». ويشير الى أن الذاكرة هي النقطة الاستراتيجية الأهم التي علينا ألا نخسرها. لأنهم «يغيّرون المناطق وأسماءها وديموغرافيتها. ويشوهون المكان، لكن ليس ثمة قوة غازية عبر العصور صمدت بوجه الذاكرة».وسام يعيش في سوريا، يزور فلسطين من خلال شعره. يخترق حواجز الاحتلال وجنوده ويدخل رغما عن أختامهم وأعلامهم، ويقول :»أشرب قهوتي في بيتي في فلسطين وأصلي في القدس». ويسأل : «أين تعنّت أميركا وإسرائيل وقواهما في فرض حواجز وحدود على الخيال؟» ويضيف أنه يجدر بالكتابة دائما أن تشعر بفعل الزيارة وتوثّق الأمكنة، «لأن حربنا معهم حرب مكان.. ألا يقاتلوننا على أرضنا؟». وعن «صفقة القرن»، ختم وسام حديثه بالقول :»هذا الهواءُ هواؤنا. لا يُقسمُ. لن تستطيعوا بعدُ أن تتفهَّموا أنّ فينا منَ الأوجاعِ ما يكفي لنصبحَ نحنُ آلهةً بفنِّ الصبرِ. آلهةً بعلمِ النصرِ. فيكم كلُّ ما يكفي منَ الأسبابِ حتى تُهزموا، ولأجلِ ذلكَ تُطلقونَ رصاصَكم، ولأجلِ ذلكَ لم نزلْ نتبسَّمُ ضحكاً على الموتِ الذي معكم يقاتلُنا. ويعرفُ مثلكم أنّا انتصرنا سابقاً. أنّا انتصرنا لاحقاً. والنصر لو تدرون أن النصر أمرٌ مبرمُ». |
|


