أين الثقافة والمثقّفون ممّا يجري في لبنان من انهيار اقتصادي وضائقة اجتماعية وأزمة سياسية؟
سؤال مشروع. والمؤكّد أنه لا يُطرح، هنا، من باب الاتهام والإدانة، مثلما هو سائد ويجري تكراره لدى ذكر الثقافة والمثقّفين، لا سيّما منذ راح هؤلاء ينسحبون من الأحزاب، اليساريّة خصوصاً، والتحاق عدد كبير منهم بالزعامات والقوى الطائفية. وقد بدأ ذلك إبّان الحرب، ونشط بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف 1982، وفقع بعد الحرب، وأبرز مظاهره كان في اتجاه الرئيس رفيق الحريري.
يُطرح هذا السؤال، هنا، لأن ثمة حاجة إلى الثقافة والمثقّفين في هذه اللحظة المصيريّة من تاريخ لبنان.
فالسؤال، إذاً، ليس للمحاكمة واستمرار جلد هذه الفئة التي لا تنفصل عن المجتمع، والأجدى علمياً وأخلاقياً وسياسياً قراءة مساراتها وتحوّلاتها في السياق اللبناني العام، بل في السياق العالمي، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
غاية السؤال هي التحرّر من الشفهية التي يغرق فيها لبنان واللبنانيّون واللبنانيّات.
غاية السؤال هي إنتاج نصوص توثّق الأقوال والأفعال، ويحترمها كتّابها وقرّاؤها، وتظهّر التنوّع وتشكّل مادة للحوار.
الإنتاج الثقافي هنا هو الوثيقة في مقابل الشفهية التي هي الثرثرة والخداع والتنصّل.
الشفهية لعبة الحكّام، لعبة السلطة والمنفعة.
الشفهية هي اللعبة التي خُطف بها لبنان. فلبنان حين ولد حديثاً وكبيراً (1920) كتب دستوراً (1926) حمل نطفة الوطن والمواطنة. لكنه خُطف بالشفهية، وعُلّق الدستور بالشفهية، ووئد الوطنُ والمواطَنةُ بالشفهية.
قالوا إنهم عقدوا ميثاقاً شفهياً، بين جناحي لبنان المسيحي والمسلم. حلّوا ميثاقهم الشفهي بدل الدستور، وحلّوا هم بدل الوطن والمواطَنة. ثم قالوا بالاستقلال شفهياً، وبنوا الجمهورية شفهياً. وشفهياً خاضوا الحروب وعقدوا السلام. وإذ يطمئنون إلى أنهم يتقنون تعليق الدستور ومسح الأرض بالقانون والمؤسسات، أخفوا حتى المحاضر التي توثّق شفهيّتهم (مؤتمر الطائف 1989). يريدون أن تبقى الشفهية بلا وثائق ومحاضر. يريدون أن تبقى الشفهية فقط لا غير.
لا يطيقون إلا الشفهية.
الشفهية شريعة غابهم.
وكما يعلّقون الدستور كذلك يتنصّلون حتى ممّا كتبه مؤسّسو أحزابهم وحركاتهم وتيّاراتهم.
والأكثر إيلاماً، وإن كان ذلك ليس غريباً وسط التصحير السياسي المتعمّد منذ عقود، هو ألا يخرج الاحتجاج والاعتراض عن الشفهية ومنها، وألا ينتجا رؤى للبنان ومشاريع وبرامج ومساحات ديمقراطية. فمن دون هذه الورشة الحوارية، الموثقة كتابة وإبداعاً والمتفاعلة مع الرأي العام، لا يمكن الارتقاء إلى معارضة، ولا يمكن إنقاذ لبنان وإنسانه وفتح أفق جديد لهما.
هنا، الثقافة ليست خروجاً من الشفهية فحسب، بل هي شرط للنجاة والارتقاء، بل للإنوجاد.
وهنا، يتظهّر السؤال عن الثقافة بما هي إبداع وتنوّع وحوار، وعن المثقفين بما هم مواطنات ومواطنون.
وليست الحرية والاستقلالية الشرطين الوحيدين للثقافة والمثقفين، للنجاة والارتقاء والإنوجاد...، إنما هناك تجديدُ الفكر. وتلك مهمة ليست شفهية ولا تكون بالتماثل مع الشفهيين والتبعية لهم.