جاد حداد

Cunk on Earth... قوة السيناريو تزيد واقعية الأحداث

5 دقائق للقراءة

تعود شخصية «فيلومينا كونك» مع الوثائقي الفكاهي Cunk on Earth (كونك عن كوكب الأرض) المؤلف من ستة أجزاء، وهو يُركّز هذه المرة على الأهرامات، والسور العظيم، والفلسفة. إنه عمل سريالي مدهش لكنه يقدّم أفكاراً عميقة من وقتٍ لآخر.

تضع المذيعة الشهيرة التي تتوق إلى التعلّم كامل الحضارة البشرية نُصْب عينيها، بدءاً من حقبة ما قبل التاريخ وصولاً إلى الزمن الحاضر. تقدّم الممثلة ديان مورغان هذه الشخصية بملامح جدّية على نحو مدهش. هي تسخر كالعادة من الأعمال الوثائقية، وتتحاور مع كبار الأكاديميين، وتتجول في أماكن متنوعة، وتحدّق بالأشياء المحيطة بها مع أنها لا تتكلم دوماً عن ما تشاهده.

في الحلقة الأولى، تتطرق «كونك» إلى أصل تاريخ الإنسان ومراحله الأولى، أو «الإنسان البشري» كما تسمّيه. إنها مغامرة مثالية لأنها تمنحها فرصة التكلم مع كبار الأكاديميين وخبراء الفنون الكلاسيكية، وهم يثبتون في معظمهم أنهم جديرون بالثناء وذات قيمة عالية. تبدأ «كونك» باستكشاف فن الكهوف، ثم تنتقل إلى المراحل اللاحقة بإيقاع سريع، وتمرّ بمواضيع الزراعة، والرياضيات، والكتابة، والأهرامات، واليونان القديمة، والفلسفة، والصين، والإمبراطورية الرومانية. بغض النظر عن معلومات المشاهدين حول الأحداث التاريخية، يمكن تعلّم بعض المسائل من الوثائقي تزامناً مع الاستمتاع باللحظات المضحكة والسخيفة. هل تعرفون مثلاً أن سور الصين العظيم لا يمكن مشاهدته من الفضاء؟

ظهرت شخصية «كونك» للمرة الأولى في البرنامج الكوميدي Screenwipe/Newswipe الذي يقدمه تشارلي بروكر، فكانت تقدّم مقاطع قصيرة على شكل مذيعة حمقاء. لطالما تساءل البعض عن إمكانية تخصيص حلقة مدتها نصف ساعة لهذه الشخصية أو إنتاج مسلسل كامل لها. سرعان ما تحوّلت هذه المزحة إلى واقع. أثبت الوثائقي السابق Cunk on Britain (كونك عن بريطانيا) أنه مشروع ممكن، وجاء الوثائقي الجديد ليؤكد استمراريته.

يسهل أن يستمر إنتاج أجزاء أخرى بعد تعديل جميع الجوانب اللازمة. يرتفع عدد الخبراء المشاركين في العمل للإجابة على أسئلة «كونك» المدهشة، ويضمن هذا الجانب تحريك الأحداث بالشكل المناسب. لا يطيل صانعو العمل التركيز على موضوع واحد، ويتمتع الأكاديميون بشخصيات مختلفة لدرجة أن تبدو كل مقابلة معهم مميزة. تتألق مثلاً الدكتورة ليندسي كو التي تناقش مآسي العصور القديمة بشغف فائق لا يمكن أن يصدر إلا من شخصٍ كرّس حياته لهذا الاختصاص. كذلك، يحمل التعامل مع تحقيقات «كونك» طابعاً سامياً بدرجة معينة، لا سيما حين تطرح أسئلة من النوع التالي: «حصل ذلك منذ وقت طويل. ما الذي يدفعني إلى الاهتمام بالموضوع؟».

قد نمضي وقتاً طويلاً ونحن نتساءل عن معرفة المشاركين في المقابلات بطابع العمل الساخر. في هذه الحالة، قد يخسر العمل جزءاً من مصداقيته، إذ يستحيل بلوغ الأثر الفكاهي المطلوب إلا إذا اقتنعوا بأن «كونك» جدّية في أسئلتها. ينطبق الأمر نفسه على المشاهدين بطريقة معينة. عند التدقيق بمضمون الوثائقي، تبرز صيغة واضحة يعتمدها صانعو العمل: مقارنة الأشياء القديمة بالابتكارات الحديثة، وطرح أسئلة عن حقبات تاريخية مختلفة وانتظار أجوبة مبهمة. لكن لا أهمية لهذه التفاصيل في مطلق الأحوال. لا يظن أيٌّ من الأكاديميين المشاركين على ما يبدو أنهم يتعرضون للسخرية، ولا يحاولون التصرف بطريقة مضحكة. في النهاية، يبقى العمل فكاهياً ومتقناً لدرجة أن نتغاضى عن بعض الإخفاقات من وقتٍ لآخر.

بقدر ما يتمحور العمل حول أداء مورغان، يتأثر المضمون أيضاً بنوعية السيناريو. يطبّق بروكر وفريق الكتابة الذي يتعاون معه حيلة السذاجة المزيفة بأسلوب لامع. هم يتعاملون مع المثقفين وغير المتعلمين بطريقة عشوائية. قد نضحك على النكات المرتبطة بالكتابات الموجودة على ألواح من طين في بلاد ما بين النهرين القديمة مثلاً، ولا مفر من القهقهة عندما تتخذ دردشة عن الألعاب الأولمبية منحىً محرجاً وغير متوقع.

على صعيد آخر، يبرع صانعو العمل في تقديم الجانب السريالي من الوثائقي بطريقة واقعية لدرجة أن تنتج أسئلة «كونك» أجوبة عميقة وتأملية من وقت لآخر. من الواضح أن أستاذ الفلسفة يميل إلى المبالغة في أجوبته حين تطرح عليه سؤالاً جميلاً وغريباً عن «أنابيب العقل»، وهو لا يخيّب الآمال بجوابه. بالإضافة إلى المعلومة اللافتة عن سور الصين العظيم، يؤكد هذا النهج على قدرة جميع الناس على إقناع الآخرين بأجوبتهم، حتى لو كان السؤال سخيفاً.

إذا كان المشاهدون يبحثون عن أشخاص نصّبوا أنفسهم كخبراء في شؤون معينة ولا يكفّون عن الكلام ويأخذون أنفسهم على محمل الجد، فلن يجدوا ما يريدونه في هذا الوثائقي. اعتاد جماهير التلفزيون على المقابلات السخيفة التي لا تعطي أي معلومة مفيدة. قد تكون «فيلومينا كونك» بطلة عمل كوميدي وخيالي، لكن من الأفضل أن نُذَكِّر أنفسنا من وقتٍ لآخر بأنها ليست شخصية حقيقية للشعور ببعض الراحة أثناء مشاهدة أدائها.