وليد شقير

عن التوظيف السياسي للتضامن الإنساني

4 دقائق للقراءة

بات هناك عامل إضافي لتراجع الاهتمام الدولي بلبنان بعد الزلزال الكارثي الذي ضرب جنوب تركيا وشمال غرب سوريا، وتداعياته الإنسانية الضخمة والمأسوية في المرحلة المقبلة.

الأرجح أن وقع الزلزال على ممثلي الدول الخمس التي اجتمعت في باريس، بعد ساعات قليلة على وقوعه في 6 شباط، من أجل بحث سبل معالجة الأزمة اللبنانية ومشكلة الشغور الرئاسي، كان مقلقاً وله أثره على مدى حماستهم لمواصلة جهودهم في هذا الشأن، أمام تشعبات انعكاساته المتعددة الأوجه التي أخذت تتكشف في اليومين اللذين أعقبا ارفضاضه، والتي ستشغل العواصم الخمس عن الأزمة اللبنانية. وهذا يعني أن مقولة «ساعدوا أنفسكم في ما لا تقع مسؤوليتنا عن القيام به، كي نساعدكم»، ستحكم سلوك هذه العواصم أكثر من السابق.

خلافاً لسوريا التي اضطرت الأمم المتحدة إلى الاعتراف بفشلها في مساعدة آلاف المدنيين السوريين، وعجزها عن إيصال المساعدات إلى المنكوبين في الشمال السوري، وبأن السوريين في تلك المناطق المنكوبة «على حق في شعورهم بالتخلي عنهم... وبأنهم يتطلعون إلى مساعدة دولية لم تصل أبداً»، تعتقد الدول الرئيسة المهتمة بلبنان أنها قامت بالكثير لأجله فيما بعض قياداته السياسية يتسبب في إطالة أزمته وعرقلة ملء الشغور الرئاسي. وهي قيادات تعرفها بالاسم ومطلعة على مناوراتها وأهدافها من وراء إفشال التوافق على انتخاب الرئيس، وتردد في أروقة وزارات خارجيتها أوصافاً مقذعة في حق هذا البعض.

والمفارقة تكمن في أنّ المسرح السوري عانى من الإهمال الدولي والغربي تحديداً قبل الزلزال، فتُرك السوريون لمصيرهم في العلاقة مع نظام آخر اهتماماته إنقاذ ناسه بالمقارنة مع توفيره كل إمكانيات الاستبداد السلطوي، فيما وفّر الاهتمام الدولي بعض أسباب الصمود لمؤسسات لبنان المدنية على تواضع المساعدات التي قدمها المجتمع الدولي لها، في انتظار أن يعاد تكوين السلطة كي تنفذ الإصلاحات المطلوبة فيه، كشرط لتساعده مالياً بعدها من أجل إخراجه من الدوامة التي هو فيها.

قبل الزلزال كانت هناك فجوة في المساعدات للمناطق السورية غير الخاضعة لسيطرة نظام بشار الأسد والتي كانت تعتمد على إعانات المنظمات الدولية، تقدر بـ48 في المئة (أنفقت العام الماضي في تلك المناطق 271 مليون دولار)، فيما الحاجة هي إلى 802,1 مليون دولار، في وقت كانت المساعدات (على رغم تقنينها أيضاً) التي قدمت للبنان الأصغر حجماً في المرتبة الثالثة بعد اليمن وسوريا في العالم، قياساً إلى صغر حجمه وعدد سكانه مقارنة مع هاتين الدولتين، وحتى بالنسبة إلى مناطق شمال غرب سوريا التي سبق نكبتها الزلزالية تردي أوضاعها المعيشية وتفشي وباء الكوليرا وسائر الأمراض فيها.

إهمال المناطق السورية كانت وراءه سياسة غربية أدت إلى تحكم النظام، مع إيران، بمصير السوريين، واستخدام الأرض السورية ميداناً لتبادل الرسائل وامتلاك الأوراق بصرف النظر عن مصير الشعب السوري، فجاءت النتيجة القصور الفظيع سواء لدى النظام أو قوى المعارضة في القدرة على الاستجابة لما بعد الزلزال... فيما سيستفيد رأس الحكم في دمشق من انفتاح بعض الدول عليه باسم المساعدات الإنسانية، لتعود الملايين الخمسة التي في المناطق خارج سيطرته فتخضع للإهمال.

في لبنان يتم إلهاء اللبنانيين بشتى النزاعات المفتعلة، تارة حول شرعية أو عدم شرعية انعقاد البرلمان للتشريع وللتمديد لقيادات أمنية، وأخرى بوعود رفع التغذية بالطاقة الكهربائية إلى 3 أو 4 ساعات، وثالثة بالاجتماعات الطائفية وطروحات الفيدرالية، ورابعة بمظاهر تقديم المساعدات للشعب السوري المأزوم بفعل الزلزال، وسط تسابق على التطبيع من قبل قوى 8 آذار وحلفائها من بوابة الحاجات الإنسانية، وبحجة تواضع إمكانات النظام.

وما يجري على هذا الصعيد هو الوجه الآخر لاعتراض قوى الممانعة على تشييع المساعدات الإنسانية. فبحجة التضامن الإنساني يتم توظيف هذا التضامن بهدف المشاركة في تعويم النظام بالتزامن مع المزاحمة الإيرانية للدول التي هبت لتقديم المساعدة للسوريين في مأساتهم.

على هامش عمليات الإلهاء للبنانيين يبدو أنّ معظم الفرقاء وقعوا في فخ إهمال أولوية إنهاء الفراغ الرئاسي، ليكرسوا العجز عن ابتداع التسويات من أجل إحداث اختراق في جداره السميك.