جاد حداد

True Spirit... مغامرة مؤثرة عن بحّارة طموحة

4 دقائق للقراءة

يعرض فيلم True Spirit (روح حقيقية) مغامرة مُلهِمة عن البحّارة الأسترالية جيسيكا واتسون التي أصبحت في العام 2009 أصغر بحّارة تجوب العالم وحدها. هي استوحت مغامرتها من البحّار الألماني جيسي مارتن الذي كسر الأرقام القياسية وقام بمغامرة مشابهة قبل عشر سنوات، حين كان أكبر من واتسون بسنتين. اعتبرت واتسون مذكراته ورحلته مصدر إلهام جزئي لها، وحصلت على دعمٍ من عائلتها ومدير أعمالها، وتلقّت تدريبات مكثفة في المياه طوال سنوات.

تعرّضت عائلة واتسون لانتقادات لاذعة من جانب مسؤولين حكوميين ووسائل الإعلام باعتبارها غير مسؤولة، وشعر البعض في تلك الفترة بالقلق من عدم إدراك واتسون لجميع المخاطر المرافقة لهذه الرحلة، واعتبرها آخرون غير ناضجة أو غير مسؤولة بما يكفي لخوض هذه المغامرة. لكنها أصرّت على المضي قدماً وأبحرت حول العالم، وتجاوزت عواصف عدة، وواجهت فترة طويلة من ركود الريح. سرعان ما أشاد بها الناس وحصدت الميداليات وأصبحت رمزاً للمثابرة والقوة، لا سيما في حياة الفتيات والشابات اللواتي يعشقن الإبحار لكنهنّ يتحمّلن مظاهر التمييز الجنسي في هذا المجال.

قد تبدو قصتها مناسبة لفيلمٍ قادر على تحقيق النجاح، ويصيب صانعو العمل هدفهم فعلاً. الفيلم من بطولة تيغان كروفت، ومن إخراج سارة سبيلان التي شاركت في كتابة السيناريو إلى جانب كاثي راندال. تميل بنية السيناريو إلى إعاقة الزخم الدرامي أحياناً، فهو يعود من وقتٍ لآخر إلى لحظات أساسية من طفولة واتسون حين تتصاعد الأحداث المشوّقة في الزمن الحاضر. لكن تتّسم مشاهد الإبحار بجوانب جاذبة وخاطفة للأنفاس، فهي تجمع بين تصوير المواقع المدهشة ولقطات مُعدّلة أمام الشاشة الخضراء. توحي المشاهد أحياناً بأنها جزء من كتاب شاعري: في مشهد ليلي مثلاً، يبدأ التصوير من فوق مركب واتسون الذي يحمل اسم Ella's Pink Lady، فيبدو وكأنه يطفو في بحرٍ من النجوم، ثم تميل زاوية التصوير لإظهار النجوم وكأنها انعكاسات في المياه.

تذكر مذكرات واتسون أن والدها عارض رحلتها بقوة، لكن يوحي الفيلم بأنه تردد للحظات عابرة. كذلك، يقدّم الممثل كليف كورتيس دور مدرّبها "بن واتسون" وكأنه نسخة خيالية من المرشد الحقيقي الذي تابع مسيرتها على أرض الواقع. تحمل هذه الشخصية في الفيلم خلفية مأسوية تُستعمَل في المقام الأول لمنح بطلة القصة عذراً تستطيع استعماله ضده خلال اللحظات العصيبة التي تجمعهما (سرعان ما يتصالحان طبعاً!). لا يخلو هذا النوع من الأفلام الدرامية المقتبسة من قصص واقعية من الاختصارات والاختراعات وحذف المعلومات. لكن يصبّ الاختصار هذه المرة في مصلحة العمل ككل، مع أننا قد نتمنى في بعض اللحظات تطوير الجانب "الخيالي" من القصة بدرجة إضافية.







من ناحية أخرى، يحمل العمل جوانب شائبة وغير مقنعة، فهو مرح ومنمّق لدرجة أن نشعر أحياناً بأننا نشاهد أحد إنتاجات قناة "ديزني" عن قصة نجاة في البرية تناسب الصغار الذين يعجزون عن فهم تعقيدات الحياة وتناقضاتها، أو ربما يظن أهاليهم أن أهم هدف للثقافة الشعبية يتعلق بإظهار العائلات كمؤسسة متناغمة والدخلاء كأطراف جاهلة ومتطفلة.

في الوقت نفسه، يُركّز الفيلم بشكلٍ غريب ومبالغ فيه على تبرير قرارات واتسون وعائلتها ومدرّبها، فيبدو كل من يعترض على الرحلة شخصاً مزعجاً أو معارِضاً للإرادة الحرّة. يمثّل مراسل تلفزيوني بغيض اسمه "أثيرتون" النقاد في وسائل الإعلام ويؤدي دوره الممثل تود لازانس. سرعان ما يغيّر "أثيرتون" رأيه طبعاً ويبدأ بتشجيع واتسون. كذلك، تبدو مدوّنة واتسون في هذا الفيلم أشبه بتجسيد للأساليب التي تسمح بتجاوز وسائل الإعلام ونقل الرسالة التي يريدها الفرد على طريقته، بدل عرض سيرة ذاتية لتوثيق رحلة واتسون المدهشة. أخيراً، لا يُركّز صانعو العمل على مظاهر التمييز الجنسي التي واجهتها واتسون مع مسجّلي الأرقام القياسية، علماً أنهم اختلقوا جميع أنواع الأسباب لحرمانها من تسجيل رقم قياسي عالمي بعد إنهاء رحلتها.

تبقى مذكرات واتسون والوثائقي 210 Days (210 أيام) الذي تطرّق إلى إنجازها في العام 2010 أكثر عمقاً من هذه القصة بشكل عام، لكنه اختلاف طبيعي بين الأعمال الوثائقية والأفلام الخيالية التي تسرد القصص نفسها. تميل الأفلام الدرامية إلى عرض قصص ذات أهداف مُوجّهة وتكون نهاياتها سعيدة وغير معقدة في معظم الأوقات. باختصار، يتلاشى الطابع الفوضوي للحياة الواقعية دوماً بحجّة تقديم ما يريده المشاهدون.