د. منير الحايك

"دفاتر الورّاق"... بين العجائبي والواقعي

6 دقائق للقراءة

يحدّد تودوروف "العجائبيّ" في كتابه "مدخل إلى الأدب العجائبي" بأنه التردّد الذي يحسّ به كائن لا يعرف غير قوانين الطبيعة فيما يواجه حدثاً غير طبيعي حسب الظاهر، وعليه يخلص إلى أنّ اللغة العجائبية وغيرها، كلّها تتطلّب التأويل ما دام الأدب بطبيعته معطى للتأويل على الدوام، فالعجائبيّ كلّه قطيعة أو تصدّع للنظام المعترَف به، واقتحام من اللامقبول لصميم الشرعية اليومية التي لا تتبدّل.

فهل نحن إذاً أمام رواية عجائبية؟ وهل حكمت العجائبية لغتها وأفكارها وقضاياها؟ وهل كانت العجائبية هي همّ أراد الكاتب اللعب من خلاله أم أن علم النفس والطب النفسي كان أساساً بنيت عليه رواية "دفاتر الورّاق" للروائي الأردني جلال برجس.

تبدأ الرواية بما تحدّث عنه تودوروف مطوّلاً حول العجائبية، فنجد بطن ابراهيم تنتفخ منذ بداية السرد، ويخرج منها صوت رجل آخر، يحمله داخله، ويستمرّ معه حتى نهاية الرواية. هذا الصوت الذي يحاول ابراهيم الورّاق مصارعته وتحدّيه، والتغاضي عن كلّ ما يأمره به، حتى يصل به الأمر إلى قرار الانتحار حتى يتخلّص منه ومن همومه المستجدّة، ومن هنالك تنطلق الرواية بأحداثها وقضاياها وكلّ الجديد الذي حملته.

تتزاحم في الرواية الشخصيات حتى تكاد في بدايتها تتوه وتفقد تركيزك في أثناء التنقّل بينها، ولكن تنوّع مصادر السرد، بين الراوي/الشخصية كابراهيم وليلى ومن بعدهما الصحافية، وبين ما تقرأه الشخصية من دفاتر غيرها، كقراءة ابراهيم مذكرات السيدة نون، وقراءة الصحافية مذكرات جاد الله، تبدأ الصعوبة باتخاذ نوع من أنواع المتعة لما فيه تحدٍّ للقارئ في ملاحقة الشخصيات والبدء بربط حيواتهم بعضها ببعض، محاولاً أن يسبق الكاتب حين يقرّر الإفصاح عن تلك العلاقة ليقول: "كنت أعلم!" ومن هنا يأتي عنصر التشويق الأساسي الذي يجعلك تتعلّق بالرواية وشخصياتها، وتتقبّل العجائبيّ فيها كأنه أمر عادي، ومع إصرار النصّ على تشخيص الصوت الذي يسمعه ابراهيم وحركة انتفاخ البطن، إلا أننا نتقبّلها لأنّ لدى كلّ منّا صوت ضمير يلاحقه، فيربط ذلك الصوت بصوت الضمير، ويكمل مع العجائبي على أنه أمر طبيعيّ.

أمّا بالنسبــة إلى العناصر التي شكّلت النصّ، فبالإضافة إلى اللغة السليمة البسيطة السلسة، نجد النصّ محمَّلاً بقضايا البلد، قضايا الأردن تحديداً، وعمّان على وجه الخصوص، تلك القضايا التي يمكن لأيّ قارئ في العالم العربي أن يسقطها على قضايا بلاده لشدّة تشابهها وتشابكها، فكشك الورّاق بائع الكتب الذي أُزيل من أجل بناءٍ فيه متاجر ومطاعم لمتموّل فاسد، ليس كشكاً بقدر ما هو قضية ثقافة عامّة عمّت بلادنا، قبل عصر السوشيل ميديا الذي أصبحنا نرمي كلّ مشاكلنا وفشلنا عليه، فها هي اليوم مكتباتٌ كبيرة بدأت تغلق أبوابها، ومسألة النشر والقراءة حدّث ولا حرج.

قضية ملاجئ الأيتام وفسادها، طرقها الكاتب من باب جديد، ومن قضية يخاف الكثيرون طرحها، فالاعتداء الجنسي على الأيتام موجود، ونسمع فيه كلّ يوم، وقد عالجته نصوص كثيرة، أمّا أن تكون المسؤولة المعتدية "المغتصِبة" شاذّة، اغتصبت "ليلى" الفتاة أيضاً، ومصطلح "الاغتصاب" الذي يربطه الكثيرون "بغشاء البكارة"، والذي لم يتأثّر في حالة ليلى، نجد النصّ مصرّاً على تصنيف ما حصل في خانة الاغتصاب، وهو من القضايا الأساسيّة التي شكّلت أحداث الرواية.

أما المكان، عمّان، المدينة المقسومة على نفسها، حيث الغنى الفاحش والفقر المدقع، فنجد أيضاً أن تلك القضايا نوقِشت كثيراً، أمّا ما ميّز الأمر في دفاتر الورّاق، فهو اختراق الحدود بين القطبين المكانيين، من قبل "ابراهيم" الذي يحوّله الصوت، من شابّ منعزل لم يؤذِ نملة، إلى سارق على الطريقة "الروبنهودية"، ومن ثمّ نكتشف ما هو أخطر من ذلك.

قضايا التشرّد، والفقر، والفساد، وغيرها الكثير تبنّتها الرواية، وجاءت بالجديد حول مدينة يظنّ الكثيرون أنّ الأمور فيها جيّدة، طالما أنّ الأمن ممسوك ولا مشاكل خطيرة تحدث هناك، فتأتي الرواية لتسلط الضوء على تلك المدينة، التي يعاني أهلها في صمت، ذلك الصمت الذي تتنبّأ به الرواية، من خلال أعمال ابراهيم الورّاق، حين سرق البنوك والأثرياء، بأنّه لن يستمرّ طويلاً، حيث نجد الناس، من جميع فئاتهم، يتعاطفون مع السارق "المقنَّع"، ويدعمونه معنويّاً، ولكن قد يبدأ الدعم الفعليّ قريباً، حين يصل الناس إلى نقطة اللاعودة.

حين تطالعنا الرواية بأنّ ابراهيم هو القاتل، قاتل الرجل الذي بنى محلاته فوق كشك الورّاق، وقاتل مغتصِبة ليلى، وغيرهما، لا نُفاجأ لأنّ الرواية حثّتنا على البحث، فمن تنبَّأ سيقول "عرفت ذلك" ومن لم ينجح تنبّؤه سيتقبّل الأمر لأنّ الصوت قد أوصل ابراهيم إلى مكان لا مفاجآت بما قد يقوم به، وهذه نقطة قوّة حملها هذا النص، لأنّه لم يلجأ كما سيكون التوقُّع إلى مفاجأة في نهاية النص من خلال اللعبة الروائية السردية السائدة، بل يلجأ إلى المقبول منها لخدمة نصّه.

مأخذ واحد على الرواية لم أستسغه، فعلاقة الشخصيات، الطبيب يوسف الذي يظهر في بداية الرواية ويظهر بشكل متقطع في ما بعد، سيكون الابن غير الشرعي للسيدة التي عملت ليلى لديها ويتم كشف أمر ابراهيم عندما كان يحاول سرقة ذلك البيت بالتحديد، والسيدة نون التي أحبّها ولم يستطع أن يجدها تكون هي نفسها الصحافية والتي أغرمت برجل تقرأ بين الحين والآخر مذكراته، وتكون تقرأ في دفتر والده الذي تزوّجته، فتجد نفسك أمام حركة أضعفت الحبكة وجعلتها أقرب إلى المسلسلات المكسيكية الهندية الركيكة... ففي الوقت الذي تستمتع وأنت تلاحق العلاقات بين الشخصيات وربط القضايا في ما بينها لأنه مجتمع متداخل في قضاياه وهمومه، تقول في نفسك وأنت تستكشف تلك العلاقات، إنّ العجائبية في هذا النصّ أكثر منطقية وعمقاً وذكاءً من قبل الكاتب من تداخل علاقات الشخصية.

وفي النهاية نقول إنه نصّ قويّ، متماسك، طرق أبواباً كثيرة يحتاج القارئ في العالم العربي أن يكتشف ما يخفى وراءها، وأن يمسك بيده ليرى، وليحلل، وليقول له بشكل أساسيّ، إن في بطن كلّ واحد منّا ذلك الصوت، فلنسمّه ما شئنا ولنصنّف الحالة بحسب التحليل النفسي كما نشاء، وكلّنا نتمنى في لحظات كثيرة لو أمكننا أن نقوم بما قام به ابراهيم الورّاق، فننتقم لأنفسنا ولجيلنا ولبلادنا بهذا الشكل الصريح والخطير والدمويّ أحياناً، ولكن مع هذا تبقى إنسانيتنا بما يحكمها من أخلاقيات وقوانين هي السائدة، فنجد أنفسنا صامتين تتآكلنا الهموم والاضطرابات النفسية والجسدية، فنصمت أمام كلّ ذلك، وهنا نختم مع كلّ الشكّ الذي حمّلتنا إياه الرواية في آخر مقطع فيها "علينا الصمت إذا اختلط الوهم بالحقيقة"، ولكن هل علينا أن نصمت فعلاً؟!