حسان الزين

الروائي اليمني علي المقري: نواجه كثيراً من المحرّمات والقمع

8 دقائق للقراءة
علي المقري
علي المقري هو شاعر أولاً، لكنه بات أحد أبرز الروائيين العرب، وقد أثارت رواياته كثيراً من السجالات، نظراً لموضوعاتها الإشكالية ولغتها "الصادمة" و"الاستفزازية"، ولجرأتها في تناول العلاقات الاجتماعية والعاطفية والجنسية، ولكون المرأة فيها متمردة. سُلخ المقري المقيم حاليًا في فرنسا عن اليمن، الذي كتب عنه ورصد تحوّلات مجتمعه وتصدعات العلاقات الإنسانية، ويحتاج إلى التماس الحي معه، وإلى محاورته بعمق، كي يواصل الكتابة. لكن ذلك يحتاج إلى حريّة.معه هذا الحوار:

يبدو أن قدر المثقفين، الأدباء والشعراء، العرب، وأنت واحد منهم، هو الغربة، سواء أكان في أوطانهم أم خارجها؟

نعم، هناك غربة داخل الأوطان وخارجها، فنحن لا نستطيع الخلاص من هيمنة إشكاليات المكان الذي ولدنا ونشأنا فيه، وتظل هواجسه تطاردنا أينما رحنا.

وهي إشكالية تبدو مزمنة طالت أكثر من قرن وتتعلق بموقعنا من العالم ومدى مواكبتنا للحداثة الاجتماعية والسياسية.

هل منحتك الغربة الطمأنينة، هل خفّفت القلق الشخصي والإبداعي؟

ليس هناك من اطمئنان، ولن يكون كما يبدو لي، أبداً، ولكن يمكن القول إننا نكتشف إمكانية العيش في أمكنة أخرى.

ماذا منحتك الغربة؟

الأسى بأنني لم أعش تجارب حياة كافية قبل أن أهاجر. لقد كانت تجارب حياتي السابقة مهمة بالنسبة لي لكنها كانت وسط أجواء من الرقابة والمصادرة والمنع على كل المستويات.

كيف يمكن لروائي أن يكتب عن مكان لا يعيش فيه وهو بعيد منه؟ كيف تعوّض هذه المسافة عن الواقع/ اليمن؟هناك أمكنة لا تنسى، ويتعلّق ذلك بمدى علاقتنا بتفاصيلها الإنسانية والمكانية. قد تكون الكتابة الأدبية والفنية خادعة في بعض مستوياتها المتعلقة بالمكان لكنها محقة في عملية التخيل الحر. وأظن أننا كلما اقتربنا من هذه التفاصيل كلّما وجدنا تصورات ذهنية محفزة للكتابة، فأن تجلس في انتظار المترو في محطة باريسية كمثل أن تستعيد ذاكرتك مشهداً داخل حافلة في عدن.

هل تربط بين غربتك / هجرتك والهجرات اليمنية؟

كانت الهجرات اليمنية دائماً دليل أزمة سياسية أو اجتماعية ما، القليل منها كانت تعبِّر عن هوى شخصي. بالنسبة إلي سافرت كثيراً خارج اليمن، إلى أوروبا وأميركا وغيرهما، وكنتُ أعود إليها ولم أفكّر في الهجرة بالرغم من كل المنغصات المتعلقة بالتضييق على الحريات وسبل العيش؛ لكنني وجدت نفسي منتزعاً من المكان بعد اشتعال الحرب وإعلان الانقلاب الميليشياوي في صنعاء، حيث لم أشأ أن أموت برصاصة طائشة. ربّما كانت لدي رغبة لأعرف من سيقتلني وهو ما لا يتحقق مع وجود هذا الانفلات الكامل من الحق في الحياة.

ما الذي تغيّر في اليمن؟ يلاحظ القارئ من خلال رواياتك أن التعدد وقبول الآخر تراجعا... أهذا بسبب الحرب أم حصل قبل ذلك؟


التراجع في التعدد وقبول الآخر بدأ منذ عقود طويلة، إلاّ أنه تعزز مع انتشار الجماعات والميليشيات الدينية والسياسية. صحيح أن سطوة رجل الدين تفككت مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي وصارت أفكاره في محل نقد بل وسخرية أحياناً، فيما كان رأي رجل الدين في السابق يؤدي بالشخص المنقود إلى السجن والقتل. حالياً تعيش اليمن انهياراً كاملاً للدولة بسبب انتشار الميليشيات المسلحة

ما الذي أحدثته الحرب على الكتّاب في اليمن؟


في بداية الحرب كانت الحال قهرية ولم يستطع الكتّاب والفنانون انجاز أي عمل، وذلك بسبب انعدام كل مقومات العيش، باستثناء القليل منهم خصوصاً الذين غادروا اليمن أو يعيشون خارجه. وأظن أن البعض منهم تكيف مع مرور الوقت مع هذه الأوضاع، خصوصاً في أزمنة الهدنة، فعادوا إلى الكتابة.




لم أفكّر في مسألة انتشار رواياتي والترويج لها إطلاقاً



وعليك شخصياً وأدبياً وثقافياً؟

أنا عشت الأشهر الأولى من الحرب، وهي امتداد لسنوات من المعارك المسلحة التي لم أكن بعيداً عنها. أشعر أن آثار الحرب ما زالت تطاردني أينما ذهبت ليس بسبب هولها المباشر وإنما لابتعادي بسببها من المكان الذي ألفته في الكتابة والعيش. لقد مضت سبع سنوات منذ مغادرتي اليمن لم أستطع أن أنجز سوى رواية واحدة كنتُ قد بدأتها في اليمن إلى جانب مشاريع كثيرة مؤجلة فيما أصدرت حين كنت في اليمن أربع روايات خلال سبع سنوات.

لماذا لم "تهاجر" إلى دولة عربية (كي تكون قريباً من وطنك مثلاً)، هل لهذا علاقة بالحرية؟

العرب لا يقبلون بنا، سوى القليل منهم. انظر إلى الفعاليات الثقافية العربية التي تقام ويتم تغييب اليمن فيها تماماً مع أن بعض هذه البلدان مشاركة في حرب اليمن وتظن أنها تساعده في استرداد دولته. لهذا فإن فرنسا أقرب إليّ من أي دولة عربية.

هل يعني ذلك أنك تريد العالمية؟


لم أفكّر في مسألة انتشار رواياتي والترويج لها إطلاقاً، فمثلاً لم أقم في أي يوم بالسعي نحو ترجمة رواياتي وإنما هي عروض من دور نشر أتلقاها باستمرار.

وكما قلتُ لك سابقاً، أشعر أنني انتزعتُ من المكان اليمني، إذ لم يكن لدي أي خيار سوى الخروج، فالبقاء كان يعني الاستسلام للموت. أعرف أن البعض أكثر قدرة في مقاومتهم مني ولهذا بقوا على رغم الظروف المميتة.

في أعمالك الوطن محنة إنسانية، هل هذا ردة فعل على حال البلدان العربية عموماً واليمن خصوصاً، أم لذلك نظرة إنسانية أوسع؟


اختبرت مفهوم الوطن كمحنة إنسانية ما زالت مسيطرة على معظم الناس وإن اعتقد البعض القليل إنه نجا منها. مع هذا، أظن أن فكرة الوطن كأيديولوجية وحدود جغرافية وسياسية تتقادم، يكفي ان ننظر إلى عدد المجنسين سنوياً في بلدان مثل الولايات المتحدة الأميركية أو فرنسا لنعرف أن مفهوم الهويات الوطنية الضيقة يتراجع وفي حال تحوّل إلى بُعد أكثر إنسانية وحرّية.

كيف ترى المشهد الثقافي والأدبي في اليمن والبلدان العربية؟


هناك حراك أدبي وثقافي ملحوظ ومتميز خلال السنوات الماضية في معظم البلدان العربية وبالذات في مجال توسع معارض الكتب وأنشطتها الثقافية إضافة إلى نشر الكتب وانشاء الجوائز الأدبية والمهرجانات السينمائية. وآمل أن يتسع هذا الحيز من النشاط ليشمل الحرّيات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وهي حرّيات ما زالت تواجه كثيراً من المحرّمات والقمع. مع ملاحظة انهيار بعض البلدان وتراجع مؤسساتها الثقافية مثل اليمن وسوريا والعراق وليبيا.

هل ما زال نصّك الأول (المجنون) يطاردك لا سيما أثناء الكتابة وخلال نظرتك إلى المجتمعات والناس؟


هذا ما يبدو لي، فما زال المنظور المجنون للعالم هو ما يشدّني، ما زال اللايقين والشك والقلق والسؤال من حوافز الكتابة التي تستقيم حين تقترب من الجنون، وهو جنون لا يتشكل كمعادل للمرض وإنما للحياة.

لقد تُرجِمت رواياتك إلى لغات عدة، هل من تأثير لذلك عليك؟


بالـتأكيد هناك تأثير شخصي، على الأقل في مستوى التعامل مع كتبي من مجتمعات مختلفة، أتلقى خلالها قراءات متعددة بتفاعلات تتطلب مني أن أكون في حال حوار دائم معها، بعد أن كان الحوار، أو التفاعل، مقتصراً على قراء لغة واحدة هي العربية.

هل تكتب لقارئ (عالمي) واحد؟

أظن أن على الكاتب أن يكتب وفقاً لمقتضيات هاجسه الخاص، لماذا يكتب وكيف يكتب، وتبعاً لخبراته الأدبية والثقافية والإنسانية، ما عدا ذلك فالأمر يعود إلى القارئ في التعامل مع هذا النص سواء في التفكير فيه وتشخيصه ودراسته أو في ترجمته. والقراءة عموماً تحمل منطلقات القارئ القيمية والأخلاقية، كما تحمل خبراته القرائية الخاصة.

هل تفكّر في القارئ حين تكتب؟

أفكّر في القارئ بالتأكيد، ولكن بعد انتهاء الكتابة. في أثناء الكتابة، أفكّر فقط بالمحنة الإنسانية التي أتناول إشكالياتها.

هل تعتبر أنك أحدثت ثورة في كتابة الرواية في اليمن والعالم العربي؟


لا أعرف كيف اقرأ منجزي الشخصي، ولكني أظن أنني أحد الكتاب الذين يحاولون فهم العالم أو التحاور معه حول إمكانيات الحياة.

ماذا تعني لك الجوائز (ونلت العديد منها)؟ هل تثق بها؟ هل توثّر عليك؟


الجوائز ومنح الكتابة صارت وسيلة للحصول على دعم للكتّاب مادياً من أجل مواصلة كتاباتهم؛ ففي كل بلدان العالم تساهم في استقرار الكاتب وتشجيعه على مواصلة الكتابة مهما كان هناك ملاحظات أو نقد لهذه الجوائز. وأظن أن مؤسسات الجوائز تصبح معنية بأي نقد يوجه إليها باعتبارها صارت جزءاً من الحياة الثقافية العامة.


هو عبر بطاقة كُتبت مسبقاً



لا يعرف علي المقري إلى أين يتّجه. يقول ذلك ويؤكد أنه "الحقيقة". لكنّ هذا الشاعر والروائي اليمني الذي هاجر الى فرنسا بعد أشهر من اندلاع الحرب في بلاده، يواصل كتابة الرواية محاولاً التغلّب على المسافات والحدود والوحدة، مختبراً تجربة انسانية وابداعية مع الوطن وقد صار بالنسبة اليه "محنة انسانية".



ويقول إنه لا يعرف كيف يقدّم نفسه أو يعرّف عنها: "نحن في الحقيقة نعرّف عن أنفسنا عبر بطاقات، كتبت لنا مسبقاً".


على رغم ذلك، يمكن القول إنّ على المقري عمل في الصحافة الثقافية في اليمن منذ 1985، وفي رصيده الأدبي ثلاث مجموعات شعر: "نافذة للجسد (مصر 1987)، "ترميمات" (الهيئة اليمنية العامة للكتاب – وزارة الثقافة 1999 – صنعاء 2004)، "يحدث في النّسيان" (اتحاد الأدباء والكتذاب اليمنيين ومركز عبادي للدراسات والنشر – صنعاء 2003).


كتب "الخمر والنبيذ في الإسلام" (دار رياض الريّس – لبنان 2007).


قصة الأطفال "إديسون صديقي" (مجلة العربي الصغير – الكويت 2009).


خمس روايات: "طعم أسود... رائحة سوداء" وقد وصلت الى القائمة الطويلة لجائزة "بوكر" العربية العام 2009، "اليهودي الحالي" وصلت أيضاً الى القائمة الطويلة للجائزة نفسها عام 2011، "حرمة" (2011)، "بخور عدني" (2014)، وكلّها صدرت عن "دار الساقي"، و"بلاد القائد" (منشورات المتوسط 2019).