قد يوحي عنوان الكوميديا الرومانسية Finding You (العثور عليك) للمخرج براين بو بأن القصة تتمحور بشكلٍ أساسي حول تمكين النساء، لكن يُصِرّ الفيلم على وضع الرجال في مكانة عليا تؤثر في حياة المرأة مباشرةً. كان من الممتع أن نشاهد بطلة القصة وهي تكتشف قدراتها، لكن يُركّز الفيلم فعلياً على علاقة رومانسية عابرة للقارات مع شاب جذّاب، ودروس حياة من حليف غير متوقع، ورسالة غامضة من شقيقها المتوفّى. بعيداً عن هذا التعثر، يتّسم العمل بأداء حيوي من الممثلين ويقدّم قصة مقنعة وواقعية عن فتاة تصل إلى مرحلة النضج عبر التجارب التي تعيشها.
في التفصيل، تخرج عازفة الكمان فينلي سينكلير (روز ريد) من داخل المترو في المشهد الأول وتبدو شابة واثقة بنفسها أثناء تعاملها مع الأجواء الصاخبة في مدينة نيويورك. لكننا سنكتشف خلال تجربة أدائها الفاشلة في معهد موسيقي مرموق في مانهاتن أنها تفتقر إلى شعور الأمان حين تصبح تحت الأضواء ويُطلَب منها تقديم عرضها. من الواضح أن نزعتها المفرطة إلى التفكير وانتقاد نفسها تعيق طموحاتها المهنية. في محاولة منها لاسترجاع الاسترخاء، تُقرر المشاركة في فصل دراسي في أيرلندا على غرار ما فعله شقيقها الأكبر "أليكس"، الذي توفّي حديثاً، حين كان في عمرها.
يبدأ حظّها بالتحسّن منذ ركوبها على متن الطائرة، فتجلس في مقعد في الدرجة الأولى بالقرب من نجم السينما المشهور "بيكيت راش" (جديديا غوداكري). لن تبهرها وسامته وسحره الكبير إلى أن يكتشفا أنهما سينزلان في المكان نفسه في بلدة "كارلينغفورد" التقليدية المُطلّة على البحر.
لكن لن تكون "فينلي" الشخص الوحيد الذي يخوض صراعاته الداخلية، إذ يوشك "بيكيت" على إنهاء تصوير سلسلة خيالية مشابهة لأفلام Game of Thrones (صراع العروش)، لذا يضطر الممثل وشريكته في البطولة "تايلور" (كاثرين ماكنمارا) للتظاهر بأنهما ثنائي أمام وسائل الإعلام لضمان نجاح العمل. في الوقت نفسه، يُعاد التفاوض على عقود الممثلَين بطريقة قد تضمن راحتهما المادية طوال حياتهما. هذه الخطة كلها هي من تنظيم والد "بيكيت" الخبيث "مونتغومري" (توم إيفريت سكوت) الذي يفرض ضغوطاً هائلة على ابنه للحفاظ على أسلوب حياة مترف.
في الوقت نفسه، تواجه عائلة "كالاغان" التي تستضيف "فينلي" مشاكل مادية. قد تصبح أعمال "نورا" (فيونا بيل) و"شون" (سياران ماكماهون) على المحكّ إذا انتشر خبر إقامة النجم السينمائي الشهير معهما. في غضون ذلك، تشعر ابنتهما المراهقة "إيما" (ساويرس مونيكا جاكسون) بالتوتر لأنها قد لا تجد من يدعوها إلى الحفل الراقص المحلي الكبير. كذلك، أصبح سكّير البلدة "سيموس" (باتريك بيرغن) منبوذاً من معظم الناس، لكنه يأمل في إثبات قيمته مجدداً. سرعان ما تقوم "فينلي" بنشاطات خارج المنهج الدراسي وتتعرّف بفضلها إلى "كاثلين" (فانيسا ريدغريف)، وهي مريضة معزولة في دار الرعاية تتوق إلى إصلاح علاقتها مع شقيقتها البعيدة "فيونا" (هيلين روش).
اقتبس المخرج بو القصة من رواية جيني ب. جونز، There You’ll Find Me (ستعثر عليّ هناك)، وهو يحافظ على أجواء العمل ويستعمل أفضل العناصر المألوفة في هذا النوع من الأفلام لتقديم صورة عميقة ورومانسية عن واقع أيرلندا. تَقِلّ مشاهد الشرب في حانة البلدة، ويخلو العمل من الشتائم والألفاظ السوقية، وتحافظ العلاقة الرومانسية الناشئة بين البطلَين على طابع بريء. يستمرّ هذا النهج خلال عشاء الثنائي حيث يستمتعان بالمعدات الموجودة في موقع التصوير، أو عندما يتبادلان القبلة الأولى بينهما. كذلك، تبدو المشاهد الجميلة حين يزور "بيكيت" و"فينلي" المواقع السياحية في البلدة ساحرةً على نحو خاص. حتى أن الصور التي تلتقطها كاميرات "درون" فوق البلدة والمناظر الطبيعية الخضراء في أيرلندا تشبه ما تُحضّره مكاتب السياحة للترويج للبلد.
تطغى على القصة مواضيع التسامح والعائلة والوفاء، مع أن التنفيذ قد يبدو بالياً أحياناً، لا سيما حين ينشر صانعو العمل رسالة مبنية على الإيمان في الفصل الثالث من الفيلم. كذلك، تطرح العلاقات بين الجنسين إشكالية معيّنة ولا تقتصر الفكرة الرئيسية على عجز "فينلي" عن تحديد مصالحها ما لم يشجّعها رجل على فعل ذلك. بل يرتكز جزء كبير من الصراعات بين الشخصيات على غيرة النساء، لذا تبدو طريقة عرض الخلافات البغيضة بين الشقيقتَين "تايلور" و"فينلي" والدوافع التي تؤجّج الخلاف بينهما مزعجة.
لا يسهل تقديم هذا النوع من المشاهد، ومع ذلك يقدّم غوداكري وريد أداءً ممتعاً ولافتاً. هما يحوّلان العبارات المصطنعة إلى مشاعر لطيفة. تبدو ريد آسرة بمعنى الكلمة وتنجح في التعبير عن مشاعر الضعف والتعاطف مع الغير في آن. أما غوداكري، فهو ممثل ساحر يجيد استكشاف أعماق الشخصية التي يقدّمها. ثمة كيمياء قوية بين هذا الثنائي، وهي تتضح في الحوارات المحتدمة والمؤثرة. في غضون ذلك، تتميز ساويرس مونيكا جاكسون بدورها الثانوي، وتتّضح براعتها في اللقطات الكوميدية خلال مشهد تبدي فيه ردة فعل جسدية (حيث يهتزّ كامل جسمها أثناء نوبة ضحك قوية) حين يدخل "بيكيت" الوسيم إلى مطبخها.
بشكل عام، يسهل أن يتعاطف المشاهدون مع الأفكار الفلسفية التي يطرحها الفيلم حول أهمية تجنّب التفكير المفرط. إنها رسالة جميلة لكل من يعيش حالة فائقة من القلق وانعدام الأمان لدرجة أن تعيق هذه المشاعر نجاحه. لكن يجب ألا يتوقع أحد أي عناصر جديدة عند الغوص في تفاصيل هذه الحكاية.