وسط تصاعد حدّة التوترات الميدانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، تعهد مسؤولون فلسطينيون وإسرائيليون في ختام إجتماع عقد في مدينة العقبة الساحلية في جنوب الأردن أمس، بـ"خفض التصعيد على الأرض ومنع المزيد من العنف"، على ما جاء في البيان الختامي للإجتماع، في وقت قُتل فيه إسرائيليان بالرصاص في هجوم نفّذه فلسطيني في الضفة، بينما قُتل شاب فلسطيني برصاص القوات الإسرائيلية لاحقاً وشنت مجموعات من المستوطنين هجمات مكثفة ضد الفلسطينيين شملت إحراق منازل ومنشآت ومركبات جنوب نابلس، الأمر الذي ندد به الاتحاد الأوروبي مشدداً على وجوب "التدخل لحماية المدنيين مما يجري في الأراضي الفلسطينية"، في حين حمّل رئيس الوزراء الفلسطيني محمد ابراهيم محمد اشتية السلطات الإسرائيلية "المسؤولية عن الجرائم التي يتركبها المستوطنون بحماية جنود الاحتلال".
وبالعودة إلى اجتماع العقبة، فقد شارك فيه رئيس جهاز الاستخبارات الفلسطيني ماجد فرج ورئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت) رونين بار ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هانغبي ومنسّق البيت الأبيض للشؤون الأمنية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بريت ماكغورك، بحضور مسؤولين أمنيين من الأردن ومصر، وأورد البيان الذي وزّعته وزارة الخارجية الأردنية في ختامه أن "الجانبَين الفلسطيني والإسرائيلي أكدا التزامهما بكلّ الاتفاقات السابقة بينهما"، و"جدّدا التأكيد على ضرورة الإلتزام بخفض التصعيد على الأرض ومنع المزيد من العنف". وأكدت الحكومة الإسرائيلية والسلطة الوطنية الفلسطينية في البيان "استعدادهما المشترك والتزامهما بالعمل الفوري لوقف الإجراءات الأحادية الجانب لمدة 3-6 أشهر، (على أن) يشمل ذلك التزاماً إسرائيليّاً بوقف مناقشة إقامة أي وحدات استيطانية جديدة لمدّة 4 أشهر، ووقف إقرار أي بؤر استيطانية جديدة لمدّة 6 أشهر".
وفي هذا الصدد، أوضح مسؤول إسرائيلي لم يشأ كشف هويّته لوكالة "فرانس برس" أن "ممثلي دولة إسرائيل شدّدوا خلال اللقاء على أنه لن يكون هناك تغيير في قرار إضفاء شرعية على 9 مستوطنات وبناء 9500 وحدة سكنية في يهودا والسامرة، ولكن خلال الأشهر المقبلة لن تصدر قرارات جديدة تتصّل بالمستوطنات".
كما "اتفق المشاركون على دعم خطوات بناء الثقة، وتعزيز الثقة المتبادلة بين الطرفَين من أجل معالجة القضايا العالقة من خلال الحوار المباشر، (حيث) سيعمل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي بحسن نيّة على تحمّل مسؤوليّاتهما في هذا الصدد"، وفق البيان.
واتفق الأطراف الخمسة، إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن ومصر والولايات المتحدة، على "مواصلة الاجتماعات وفق هذه الصيغة، والحفاظ على الزخم الإيجابي، والبناء على ما اتفق عليه لناحية الوصول إلى عملية سياسية أكثر شمولية تقود إلى تحقيق السلام العادل والدائم". كذلك، "اتفقوا على الاجتماع مجدّداً في مدينة شرم الشيخ في جمهورية مصر العربية في شهر آذار المقبل لتحقيق الأهداف المذكورة أعلاه".
وأوضح البيان أن "الأردن ومصر والولايات المتحدة تعتبر هذه التفاهمات تقدّماً إيجابيّاً نحو إعادة تفعيل العلاقات بين الجانبَين الفلسطيني والإسرائيلي وتعميقها، وتلتزم بالمساعدة على تيسير تنفيذها وفق ما تقتضيه الحاجة". كما أكد الأطراف الخمسة "أهمّية الحفاظ على الوضع التاريخي القائم في الأماكن المقدّسة في القدس قولاً وعملاً من دون تغيير، وشدّدوا في هذا الصدد على الوصاية الهاشمية/الدور الأردني الخاص".
وأوضح المسؤول الإسرائيلي أن المشاركين توصّلوا إلى "اتفاق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة ستدرس استئناف التعاون الأمني، إضافةً إلى النية الفلسطينية والقدرة على تولّي مسؤولية مكافحة الإرهاب في الأراضي الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية"، لافتاً أيضاً إلى أن "لجنة مدنية ستُشكّل لعرض مشاريع اقتصادية من شأنها إعادة الثقة".
وقال مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جايك سوليفان في بيان: "نُدرك أن هذا الاجتماع هو نقطة انطلاق وأنه سيكون هناك كثير من العمل يتعيّن القيام به في الأسابيع والأشهر المقبلة، من أجل بناء مستقبل مستقرّ ومزدهر للإسرائيليين والفلسطينيين على حدّ سواء". واعتبر أن "التطبيق سيكون حاسماً"، مرحّباً على وجه الخصوص بالدور الذي اضطلع به في الأسابيع الأخيرة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "لضمان شروط نجاح" الاجتماع.
وفي وقت سابق، أكد العاهل الأردني خلال استقباله ماكغورك "أهمّية تكثيف جهود الدفع نحو التهدئة وخفض التصعيد في الأراضي الفلسطينية وإيقاف أي إجراءات أحادية الجانب من شأنها زعزعة الاستقرار وتقويض فرص تحقيق السلام"، بحسب الديوان الملكي الأردني. كما أكد الملك خلال اللقاء "ضرورة إعادة إطلاق المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتحقيق السلام العادل والشامل، على أساس حلّ الدولتَين، بما يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلّة، ذات السيادة والقابلة للحياة، على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".
فلسطينيّاً، أوضحت حركة "فتح" أن قرار المشاركة في اجتماع العقبة ينبع من "مصلحة الشعب الفلسطيني وأهمية وقف المجازر"، مشدّدةً على وجوب "اتخاذ مواقف صعبة وتحمّل المسؤولية مع تفهّم رفض بعض القوى للقاء". لكن حركة "حماس" ندّدت بمشاركة السلطة الفلسطينية في اللقاء، معتبرةً أن "الاجتماع بالصهاينة خروج عن الإجماع الوطني الفلسطيني واستهتار بدماء الشهداء ومحاولة مكشوفة لتغطية جرائم الاحتلال المستمرّة، وضوء أخضر لارتكابه المزيد من الانتهاكات ضدّ شعبنا وأرضنا ومقدّساتنا". كما أعرب القيادي في "الجهاد الإسلامي" خالد البطش عن رفض جميع الفصائل الفلسطينية في غزة، باستثناء حركة فتح، لإجتماع العقبة.
وتزامن اللقاء مع مقتل إسرائيليَّين في هجوم نفّذه فلسطيني واستهدف مركبة عند مفترق طرق قرب قرية حوارة بين مدينتَي نابلس ورام الله في الضفة الغربية. وجاء في بيان مشترك صادر عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير: "في هذا اليوم الصعب... قُتل مواطنان إسرائيليان في هجوم إرهابي فلسطيني".
وبحسب خدمة إسعاف "نجمة داوود" الحمراء، فقد نُقل المصابَين إلى المستشفى قبل أن يُعلن عن وفاتهما لاحقاً، في حين كشفت المتحدّثة باسم رئيس مجلس المستوطنات الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية أن القتيلَين هما الشقيقان اليهوديان هلل (22 عاماً) وياغيل (20 عاماً) يانيف من مستوطنة "هار براخا". وأكد الجيش الإسرائيلي "ملاحقة الإرهابيين وإغلاق المنطقة". وانتشرت قوات الأمن الإسرائيلية على طول الطريق وشرعت في تفتيش المركبات العابرة.
واندلعت مساءً مواجهات بين مستوطنين وفلسطينيين على الطريق التي تعبر حوارة، حيث سُجّلت عمليات إحراق منازل نفذها مستوطنون على وقع دعوات إلى الانتقام من الفلسطينيين. وذكرت وزارة الصحة الفلسطينية أن الفلسطيني سامح أقطش (37 عاماً) قُتل بالرصاص مساء في قرية زعترة جنوب مدينة نابلس، فيما قال نتنياهو في فيديو: "أطلب منكم، رغم أن الدماء لا تزال ساخنة والرؤوس حامية، عدم إحقاق العدالة بأيديكم وترك قوات الأمن تُنجز مهمّتها".
وبينما رحّبت حركة "الجهاد الإسلامي" بالهجوم الفلسطيني، دعا وزير الاستيطان في الحكومة الإسرائيلية أوريت ستروك "الوفد الإسرائيلي للعودة فوراً" من اجتماع العقبة. كما صادقت لجنة وزارية في الحكومة الإسرائيلية على مشروع قانون يُمكّن المحاكم من فرض عقوبة الإعدام على منفّذي الهجمات.