واصلت قوّات النظام السوري تقدّمها في شمال غربي البلاد بالأمس، بالتزامن مع موجة نزوح ضخمة تُنذر بكارثة إنسانيّة غير مسبوقة، بعد فرار نحو مليون شخص من المنطقة بسبب التصعيد ووسط موجة برد قارس، إذ حذّرت الأمم المتحدة ومنظّمات إنسانيّة عدّة من تداعيات الوضع الكارثي، خصوصاً على الأطفال، في منطقة تأوي أساساً ثلاثة ملايين شخص، نحو نصفهم من النازحين.
وقالت رئيسة المفوضيّة العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ميشيل باشليه: "لم يعد هناك وجود لملاذ آمن. ومع تواصل هجوم القوّات الحكوميّة والزجّ بالناس في اتّجاه جيوب أصغر وأصغر، أخشى أن مزيداً من الناس سيُقتلون"، فيما كشف المتحدّث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة ديفيد سوانسون لوكالة "فرانس برس" أنّه "فرّ حوالى 43 ألف شخص خلال الأيّام الأربعة الأخيرة فقط من غرب حلب".
وتزداد معاناة النازحين مع انخفاض حاد في درجات الحرارة. ولجأ الجزء الأكبر منهم إلى مناطق مكتظّة أساساً بالمخيّمات قرب الحدود التركيّة في شمال إدلب، لم يجد كُثر خيماً تؤويهم أو حتّى منازل للإيجار، واضطرّوا إلى البقاء في العراء أو في سيّاراتهم أو في أبنية مهجورة قيد الإنشاء وفي مدارس.
كذلك، أعلنت "منظّمة الصحة العالميّة" أنّه من أصل 550 منشأة صحّية في شمال غربي سوريا، لا يزال نحو النصف فقط في الخدمة. وقد طاول القصف عشرات من المنشآت الصحّية خلال الأسابيع الماضية. وحذّر مدير المنظّمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس من أن "الأطفال هم الأكثر عرضة لإنخفاض في درجات الحرارة أو مشكلات في التنفّس بسبب عدم توافر الملجأ واضطرار كثيرين للنوم في العراء". وتوفي سبعة أطفال، بينهم طفل رضيع لم يتجاوز عمره سبعة أشهر، جرّاء درجات الحرارة المتدنية والأوضاع الإنسانيّة "المروّعة" في المخيّمات، وفق ما أفادت منظّمة "سايف ذي شيلدرن". وقال سونيا كوش من المنظّمة: "نخشى أن ترتفع الحصيلة نتيجة الأوضاع غير الإنسانيّة تماماً التي يجد النساء والأطفال أنفسهم فيها، وسط درجات حرارة تحت الصفر، ومن دون سقف فوق رؤوسهم أو ثياب" شتويّة تُدفئهم. كما أفادت منظّمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" بأنّ التصعيد أسفر عن "تشرّد ما يزيد على 500 ألف طفل".
ميدانيّاً، تُركّز قوّات النظام عمليّاتها حاليّاً في ريف حلب الغربي، الذي تستهدفه غارات عنيفة تشنّها المقاتلات الروسيّة، وفق ما أورد "المرصد السوري". وأوضح المرصد أن قوّات النظام "تتقدّم في اتجاه جبل الشيخ بركات"، الذي يطلّ على ما تبقى من مناطق تحت سيطرة "هيئة تحرير الشام" والفصائل في غرب حلب، كما على مناطق واسعة قرب الحدود التركيّة في شمال إدلب، تنتشر فيها مخيّمات النازحين، في حين قُتِلَ عنصر في "الحرس الثوري" الإيراني بقصف في محافظة حلب السوريّة، بحسب ما أفادت وكالة "فارس"، التي أشارت أيضاً إلى أن القتيل هو حمید رضا بابل خاني، الذي كان يُعرف كذلك باسمه الحركي "حاج إبراهيم"، وقد لقي مصرعه بضربة صاروخيّة.
وفي أنقرة، صرّح المتحدّث باسم الرئيس التركي ابراهيم كالين بأنّ المفاوضات بين أنقرة وموسكو حول العنف المتصاعد في شمال غربي سوريا "لم تتوصّل إلى نتيجة مرضية"، لكنّه لفت إلى أن المحادثات مستمرّة، في وقت ذكرت الخارجيّة الروسيّة في بيان أصدرته في ختام المباحثات التي استمرّت يومَيْ 17 و18 الحالي، أن الطرفَيْن أكّدا "التزامهما بالاتفاقات الموقّعة القاضية باتخاذ الإجراءات الرامية لتخفيف الحالة الإنسانيّة في ظلّ مواصلة مكافحة الإرهاب". كما شدّد الوفدان الروسي والتركي على أنّه "لا يُمكن تحقيق الأمن والاستقرار على المدى الطويل في إدلب ومناطق أخرى في سوريا، إلّا على أساس احترام سيادتها واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها".