إيفون أنور صعيبي

الموازنة... قطع الحساب "يقطع" على حساب الدستور

6 دقائق للقراءة
قطع الحساب هو نتيجة تنفيذ الموازنة الفعليةtyle:body text normal>الحلم بمدينة تكنولوجيّة مميّزة تجذب الشركات الرائدة في هذا القطاع بات على قاب قوسين أو أدنى. فالمنطقة الإقتصادية الخالصة في طرابلس أفردت حيزاً للتكنولوجيا ستنشأ عليها مدينة تكنولوجية مصغرة تحت ا سم «مركز المعرفة والإبتكار». الأمر سيعطي حوافز كبيرة للشركات الأجنبية للقدوم إلى لبنان والمساعدة في تطوير القطاع، سواء لناحية التوظيف أم رفده بالعملات الأجنبية.
"Beware of Greeks bearing gifts" (احذروا من الاغريق حاملي الهدايا)... في هذا المثل يحذر الإنكليز من الاغريق الذين أشعلوا حرباً اسطورية...من أجل امرأة! ومن ثم نفذوا مذبحة ذهب ضحيتها شعب طروادة، ونهبوا المدينة وأحرقوها...قد يظن البعض ان "الخزعبلات" غالباً ما يجب ان تدرس كخرافات، والاساطير كأساطير والمعجزات كخيالات شعرية. هناك فارق كبير بين أن يخترع الإنسان الأسطورة ويصدقها ويحكيها، وبين أن يعي دلالاتها وفلسفتها. واذا كانت الاسطورة في الميثولوجيا سلسلة أحداث غير طبيعية فلا شكّ ان قطوعات حسابات موازناتنا تمثل "ماورائيات"يستحيل استيعابها.

ما هو قطع الحساب؟ انه دليل على قيام الاجهزة الرقابية بواجباتها، وإثبات ان التوازن بين السطات قائم، وبرهان على ان الحوكمة الرشيدة سارية بفعالية. انه نتيجة تنفيذ الموازنة الفعلية؛ وذلك يعني انه من المفترض للتنفيذ الفعلي للموازنة ان يبين الاختلاف بين التقديرات والنتائج الحقيقية خصوصاً الواردات. لذا، تبقى كل موازنة مجرد تقديرات حتى صدور قطع الحساب. هذا وترث كل موازنة عن سابقتها اعتمادات مدوّرة وايرادات غير محصّلة. يفتقر لبنان منذ العام 1993 الى "حسابات المهمّة" المعروفة بمبدأ الخروج والدخول. فلم تقم سلطة ما بعد الطائف بإقرار أي قطع حساب أو حساب مهمة منذ العام 1979 لأسباب عديدة. وقد استعملت ذريعة فقدان المستندات بسبب الحرب لتصفير الحسابات أو تطييرها، ثم بدأت الحكومات تؤسس عليها لتفادي إقرار الحسابات، ثم بدأت مرحلة التلاعب.

يوضح مصدر في وزارة المال ان "قطع الحساب قد أصبح كدوّامة يصعب معرفة اين بدأت وكيف ستنتهي. بدأت المشكلة الفعلية في سنوات الحرب واستمرت لغاية التسعينات حيث هناك أموال مفقودة بسبب وجود حكومتين آنذاك وما حصل في تلك الحقبة من مشاكل سياسية وأحداث أمنية، لذا فان التدقيق في قطوعات حسابات الاعوام الماضية والمتزامنة مع تلك السنوات أمر صعب. من هنا يمكن الارتكاز على قطع حساب العام 2017 لاعتباره الصورة الاقرب الى واقع المالية العام".

إلتفاف على القوانين

نصّت المادة 65 من قانون موازنة العام 2017 على أن "على الحكومة إنجاز عملية إنتاج جميع الحسابات المالية المدققة منذ 1993 وحتى سنة 2015 ضمناً خلال فترة لا تتعدى السنة اعتباراً من تاريخ نفاذ هذا القانون"، وإحالة مشاريع قوانين قطع الحساب عن السنوات التي لم تقر فيها الى مجلس النواب، عملاً بالاصول الدستورية والقانونية المرعية الا ان ذلك لم يحصل حتى الساعة.

وتنص المادة 87 من الدستورعلى ان حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة التالية. لكن ذلك بات صعباً مع انتظار تقرير ديوان المحاسبة النهائي. وقد اعلن الديوان انه بحاجة الى عام كامل للتدقيق في الحسابات المالية لـ 3 سنوات أي انه بحاجة الى 8 أعوام للتدقيق في قطوعات الحسابات كاملة.

هذا وتنص المادة 118 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أن "يصدق المجلس أولاً على قانون قطع الحساب، ثم على موازنة النفقات ثم قانون الموازنة وفي النهاية على موازنة الواردات". ويفترض أن يتضمن قطع الحساب أرقام النفقات الفعلية والواردات الفعلية، لتجري مقارنتها لاحقاً مع أرقام الموازنة العامة التي ترتكز على التقديرات. وعندما ينجز قطع الحساب، ترسله وزارة المال إلى ديوان المحاسبة مرفقاً بحسابات المهمة لتجري مطابقتها والتدقيق بكل مستند أنفق. وحسابات المهمة، هي عبارة عن مستندات تثبت كل الأموال الداخلة والخارجة من والى الخزينة.

في الأحوال العادية، تبني السلطة التشريعية موقفها من مشروع الموازنة، على أساس أرقام قطع حساب موازنة السنة قبل السابقة المدعمة بتطابقها مع حساب المهمة المتوازن، والمضبوطين معاً من خلال بيان وضعية الخزينة، الذي يفترض أن يضفي توازنه الرقمي، الثقة عليهما معاً، والذي أهمل إعداده منذ العام 1980.

تقرير الديوان ليس شرطاً

عن الموضوع، يرى النائب السابق غسان مخيبر انه "كان يجب على مجلس الوزراء أن يحيل حسابات الإدارة المالية النهائية الى مجلس النواب بموجب مشروع قانون قطع الحساب، وذلك بمعزل عن مصير تدقيقها لدى ديوان المحاسبة. تقرير الديوان مهم ولكنه ليس شرطاً من شروط ارسال مشروع القطع الى البرلمان، فهذان عملان منفصلان. وهذا الامر قد يعرّض الموازنة للابطال لمخالفتها المادة 87 من الدستور".

ويضيف مخيبر:" تكتسب الحسابات المالية النهائية للإدارة أهمية بالغة على صعيد تأمين شفافية وصدقية المالية العامة في لبنان، لأنها تبين، حسابيا، مدى تقيد الحكومة بقانون الموازنة، أي تقيد الإدارة بشروط واصول إجازة الجباية والإنفاق الممنوحة لها سنويا من قبل مجلس النواب. وهي تسمح لكل من مجلسي الوزراء والنواب بتحديد المرتقب من المداخيل والمصاريف في الموازنة على ضوء التجربة السابقة، والرقابة عليها بشكل فعال. وبالرغم من أهميتها، لم تعر السلطات المختلفة هذه الحسابات ومناقشتها الاهتمام المطلوب".

من جهته يوضح الخبير القانوني بول مرقس ان "المادة 87 واضحة وهي تلزم اقرار قطع الحساب قبل نشر الموازنة. نحن امام مخالفة دستورية تتكرر بوتيرة متصاعدة منذ اعوام عدة. من الضروري انجاز قطوعات حسابات الاعوام السابقة وهذا الامر متعذّر انجازه من قبل ديوان المحاسبة. فالديوان بحاجة الى تعزيز كوادره من المدققين والقضاة والعودة الى السنوات السابقة بالتوالي".

ويقول مرقس: "ما يقوم به الديوان يتمثل بارسال تقريره الى مجلس النواب مع تحفظاته حيث يقوم البرلمان بدوره بالتحفظ. من هنا نحن امام تخبط في الموازنة العامة نتيجة عدم اعداد قطوعات حسابات أصولية منذ الـ 1993، وهذا المشهد سيتكرر هذا العام".

في قضايا المساءلة والفساد والالتفاف على قوانين الموازنة، لطالما اعتمد السياسيون على "شعبيّتهم" للتهرب من "دفع الحساب"؛ لكن بعيداً من الوجدانيات، وبالارتكاز على القوانين والارقام نخلص الى ان هذه الموازنة التي يفترض ان تكون قانوناً مبنياً على قانون قطع الحساب ليست الا نقصاً تشريعياً وضرباً للدستور وبالتالي هي باطلة!