اللاجئون السوريّون يفضّلون البقاء في ألمانيا!

13 : 41

ينزعج عبد العباسي دوماً من السؤال الذي يسمعه حين يقابل أي شخص جديد أو صديق قديم: "هل تريد العودة إلى سوريا"؟ يقول الشاب البالغ من العمر 25 عاماً إن الناس يحملون نوايا حسنة عند طرح هذا السؤال عليه، لكنه سئم منه!

حين يبدأ التفكير به، لا يعود طالب طب أسنان في جامعة "غوتنغن"، بل يصبح فجأةً مجرّد لاجئ ويشعر بأنه عاد إلى نقطة الصفر، فيتذكر حلب والحياة التي تركها وراءه. يتساءل العباسي إلى متى يتابع الناس سؤاله عن عودته المحتملة إلى سوريا. إلى الأبد؟

جاء العباسي إلى ألمانيا في العام 2013، وبات يتكلم اللغة الألمانية بطلاقة الآن، ولديه حبيبة ألمانية، وسينال قريباً شهادة من جامعة ألمانية. أصدر كتاباً عن الحياة في ألمانيا، بالتعاون مع صديقه علاء فهام، وينشط الشابان على قناة يوتيوب اسمها GermanLifeStyle (أسلوب الحياة الألماني). يُحضّر العباسي راهناً مسرحية لعرضها على "المسرح الألماني" في "غوتنغن". حتى أن الحكومة الألمانية منحت العباسي وفهام ميدالية الاندماج. باختصار، لا يمكن أن يحقق أحد نجاحاً أكبر منهما!

لكن رغم تحول ألمانيا إلى وطن حقيقي لأمثال العباسي، يحتدم الجدل العام حول احتمال عودة السوريين المقيمين في ألمانيا إلى بلدهم. كتبت صحيفة "شتوتجارتر ناخريختن" في افتتاحيتها: "اللاجئون ضيوف وليسوا مهاجرين".

صحيح أن تنظيم "الدولة الإسلامية" هُزِم في مناطق سورية كثيرة وما عاد يطرح تهديداً كبيراً، لكن البلد يخضع حتى الآن لحكم بشار الأسد. منذ أسبوعين تقريباً، قرر وزير الداخلية الاتحادي والحكومي الألماني تعليق عمليات ترحيل اللاجئين إلى سوريا لفترة إضافية، على ألا تتجاوز تلك المدة نهاية السنة.

تبدو الأحكام التي يصدرها "المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين" اليوم مشبوهة. ذكرت رسالة موجهة إلى طالب لجوء سوري جاء إلى ألمانيا في العام 2019 مثلاً: "رغم استمرار الاعتداءات المعزولة التي يمكن أن تقتل المدنيين، لم يعد الوضع القائم يطرح تهديداً شاملاً على جميع المدنيين المقيمين هناك". قررت الوكالة عدم ترحيل طالب اللجوء، لكنها لم تمنحه صفة اللاجئ، وتجريده من هذه الصفة يعني تقليص حقوقه وعدم السماح له بجلب أفراد عائلته إلى ألمانيا.

يعرف العباسي أنه لن يواجه مشكلة في البقاء في ألمانيا نظراً إلى تخرّجه قريباً من جامعة ألمانية وحصوله على توصيات كثيرة. لكن بدأ الموقف الألماني الجديد من السوريين يؤثر عليه. لا يكتفي الناس أحياناً بسؤاله عن عودته إلى بلده في مرحلة معينة، بل إنه يتلقى دوماً على مواقع التواصل الاجتماعي رسائل بمعنى "عُد من حيث أتيت!!!".

مخاوف متزايدة

لاحظ طارق أحمد (38 عاماً) بدوره تغيّر نظرة السياسيين الألمان إلى السوريين. وصل عالِم الآثار هذا إلى ألمانيا في العام 2015 ويعمل راهناً في "جامعة برلين الحرة". ألصق صور أنقاض المعابد السورية ومواقع الحفريات على جدران مكتبه... إنها صور أماكن يفتقدها!

يصوغ أحمد أفكاره باللغة الإنكليزية لأنه لا يعتبر لغته الألمانية قوية بما يكفي. ستنتهي منحته البحثية في نهاية السنة ولا يعرف ما سيفعله بعدها. سبق وواجه المشاكل مع نظام الأسد الاستبدادي، حتى قبل اندلاع الحرب الأهلية. في مرحلة سابقة، حظيت أبحاثه العلمية بالدعم، حتى أنه كان ينتظر منحة جامعية لنيل شهادة ماجستير في إيطاليا. لكن حين بقي في الخارج لأشهر إضافية تفوق المدة التي سمح بها النظام السوري، بدأت السلطات تضع العوائق في طريقه. يقول أحمد: "هكذا انتهت مسيرتي كأكاديمي موقتاً".

ينتظر أحمد ولادة طفلته الأولى خلال بضعة أسابيع، لذا يمضي وقتاً طويلاً مع زوجته لاختيار اسمٍ لابنتهما. يبحث الزوجان عن اسمٍ "يناسب الألمان ولا يعطي أحداً فرصة مضايقة الطفلة". يقولان إنهما لا يريدان أن يطلقا عليها اسم "شام" مثلاً لأن اللفظ نفسه باللغة الألمانية يحمل معنى "العار"! يقول عالِم الآثار: "لا يمكن أن تحبذ أي فتاة اسماً مماثلاً في ألمانيا".

يريد الزوجان البقاء في ألمانيا بكل وضوح: "طالما يحكم الأسد سوريا، لا مجال لعودتنا"!

طوال أسابيع، تساقطت القنابل على إدلب، آخر معقل للثوار في شمال سوريا. اضطرب عدد كبير من السوريين في المنفى غداة مقتل عبد الباسط الساروت (27 عاماً) منذ بضعة أسابيع. أصيب حارس المرمى السابق في منتخب سوريا للشباب بقذيفة في شمال غرب البلاد. خسر الساروت والده وأشقاءه الأربعة في الحرب، وأصبح بنظر الكثيرين بطل المقاومـة المسلحة، بمن فيهم نهلة عثمان (41 عاماً). وُلدت هذه المحامية في ألمانيا، لكنّ والدَيها من حلب. في أيام الأسبوع، تعمل كمحامية متخصصة بقانون الهجرة بالقرب من "فرانكفورت"، لكنها تمضي عُطَل نهاية الأسبوع وهي تحتجّ ضد الأسد وتَلُفّ علم الثورة السورية حول كتفيها.

تعارض عثمان ترحيل اللاجئين إلى سوريا، حتى لو طرح الأفراد المعنيون تهديدات إسلامية. من وجهة نظرها، يجب أن يواجه مناصرو الأسد خطر الترحيل في المقام الأول. أطلقت المحامية حملة ضد مسيحي سوري يعمل في مكتب نائب ألماني من حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي اليميني ويؤيد الأسد علناً باعتباره "أفضل حل لجميع السوريين". وجّهت عثمان رسالة إلى "المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين" عبر مواقع التواصل الاجتماعي لسحب صفة اللاجئ من ذلك الرجل. بحسب رأيها، لا بد من ترحيله إلى سوريا.

لعبة الانتظار

تتابع تبارك كركوز (23 عاماً) عن قرب صفحة عثمان على فيسبوك. جاءت هذه الشابة إلى ألمانيا في نهاية العام 2017 ولا تجيد اللغة الألمانية بعد، لذا يسرّها أن تجد مصدر معلومات باللغة العربية: "أريد أن أعرف طبعاً القرارات التي يتخذها السياسيون الألمان بشأننا". تبحث كركوز أيضاً عن طريقة لجلب والدتها وأشقائها إلى ألمانيا لأنهم يعيشون في ظروف سيئة راهناً في شمال لبنان.

لكن تبقى القواعد التي تسمح بجلب أفراد العائلات إلى ألمانيا صارمة جداً. لا يمكن أن يجلب اللاجئون إلا زوجاتهم أو أولادهم القاصرين. عاشت كركوز شخصياً من دون زوجها عمار في لبنان طوال ثلاث سنوات لأنها لم تتلقَ الأوراق التي تسمح لها بالذهاب إلى ألمانيا.

تعيش كركوز مع زوجها في مسكن عام في "هامبورغ" منذ بضعة أشهر. عمل عمار كدهّان لفترة، لكنه عاطل من العمل الآن ويركّز على دروس اللغة الألمانية. تلازم كركوز المنزل مع ابنهما البالغ من العمر تسعة أشهر، كما أنها حامل مجدداً. تقول إنها تحب التنزه في أنحاء "هامبورغ" لأنها تشعر بالأمان هناك. لكنها تناقش مع زوجها أحياناً احتمال أن يرسلهم الألمان يوماً إلى سوريا. لم يبقَ من منزل والدَيها بعد المعارك في حمص إلا الأنقاض، وقد خُطِف والدها وعمّها من جانب أتباع الأسد. لذا لا يمكن أن ينتظر منها أحد أن تعود للعيش في ذلك البلد بحسب قولها.

لكن ماذا لو لم يعد الأسد في الحكم؟

تجيب كركوز: "سأوافق حينها! ما زلتُ أؤمن بحصول ذلك يوماً. لكن لن يتحقق هذا الهدف قبل سنوات طويلة"...


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.