هل من شعر في لبنان اليوم؟ البلد انهار وتفكّك، والثقافة انسحبت أو تراجعت، والناس غارقون في الأزمات، والإنتاج الشعري انحسر، وشعراء كثر تحوّلوا إلى الرواية وغيرها، أم أن الشعر لا يحتاج إلى البعد العام؟
صحيح أنّ الرواية هي الموضة اليوم، لكن كم رواية تُقرَأ؟ الرواية من الداخل إلى الخارج، الشعر بالعكس، من الخارج إلى الداخل، لذلك هو أكثر ذاتيّة، وبطبيعته منسحب، غير أنه يظلّ باستطاعته التعبير عن أوضاع الإنسان، أيّاً كانت، حتى في ظلّ أشدّ الأزمات. الشعر موجود دائماً طالما هناك إنسان واحد موجود. دائماً ما أتخيّل أنّ هناك الآن في مكان مجهول، شاعراً شابّاً لا أعرف لونه ودينه ومعتقداته وميوله الجنسيّة، يكتب أشياء رائعة.
في لبنان اليوم كثير من الكتابات الشعريّة، خصوصاً في ظلّ توافر وسائل التواصل الاجتماعيّة المفتوحة للجميع ليلاً ونهاراً، والمنوط نجاحها بعدد اللايكات التي تحصل عليها. إضافة إلى طفرة المنتديات الشعريّة التي تتفشّى كالفيروس، كالطفح الجلديّ، والأشبه بالتجمّعات العائليّة التي يتملّق أفرادها بعضهم بعضاً على مائدة الطعام في الآحاد والأعياد. ناهيك عن الهجمة الشرسة على المناسبات والمهرجانات الشعريّة العربيّة، التي تفوح منها روائح بائدة، كما لو أنّ هناك إصراراً على النفخ في جيفة.
الشعراء اليوم كثيرون لكن الشعر قليل.
أعتقد، وهذا رأي شخصيّ، راديكاليّ ربما، أن لا شيء جديداً، بالمعنى الجذريّ، تحت شمس الشعر العربيّ بعد قصيدة النثر التي ظهرت في الخمسينيّات في بيروت مع مجلّة "شعر"، شعراً ونقداً وتنظيراً وموقفاً من الكتابة والوجود، بحيث أنها خلقت نوعاً أدبيّاً "مفتوحاً" يجمع بين الشعر والنثر مستفيداً من تقنيّاتهما، قاطعةً الخيط ليس مع الوزن والقافية فحسب، بل مع عقليّة الشعر العربيّ السائد، وربّما معها ولأوّل مرّة في تاريخ الشعر العربيّ، نشهد ولادة شعر "مكتوب"، إذا جاز التعبير، في حين كان لا يزال مرتبطاً سماعيّاً بالأذُن للإطراب.
يقول الشاعر شوقي أبي شقرا عنك: "شاعرنا اللبنانيّ الأنفاس والمعاني"، هل من ميزات للقصيدة اللبنانية؟ هل أنت شاعر لبناني؟
بيتهوفن موسيقيّ ألمانيّ، ولكن هل موسيقاه ألمانيّة؟ لا أعتقد. كما الموسيقى، الشعر لغة إنسانيّة عالميّة، لا هويّة ولا حدود لها. فمثلاً عندما ندرّس الشعر الجاهليّ، من المفيد أن نتلو على مسامع طلّابنا الظروف الجغرافيّة والتاريخيّة والاجتماعيّة للشاعر، غير أنّ الجوهريّ يكمن في أن نشرح لهم الشعر كلحظة شعوريّة إنسانيّة تتخطّى العصور.
هل تجد نفسك في تيار ثقافي إبداعي كتابي ما، هل من ضرورة لذلك؟ وهل الحداثة الشعرية العربية، بالنسبة إليك، أيديولوجيا؟
ليس عندي مشروع شعريّ، لا أحبّ كلمة "مشروع"، توحي بالتجارة. عندي مراحل كتابيّة، في كلّ مرّة أنتهي من مرحلة، أحرقها وأنثر رمادها ورائي لأتقدّم، بشعور مَن يمشي باتجاه شيء ضائع. يبدو أنّي فقدتُ لغتي "الأصليّة" منذ أن بدأتُ أكتب، منذ أن أصبح للكلمات مصطلحات ودلالات ورموز، لذلك أشعر في كلّ مرّة أكتب فيها أنّي أبحث عنها من جديد بشتّى الطرق والأساليب الممكنة.
لا أنتمي إلى أيّ تيّار، أو أيديولوجيا، أو مفهوم محدّد، أو نظريّة ثابتة، لا في الأدب ولا حتى في الحياة. هكذا أجد نفسي حرّاً ومرتاحاً في جلدي، عندي وقت لأضجر، لأتمشّى بلا هدف، لأقدّر نعمة غيمة عابرة.
كما أنّي لا أؤمن بنظريّة الآباء والأبناء في الشعر. قرأتُ أسلافي جيّداً وتأثّرتُ بهم، واستفدتُ بشكل أو بآخر من تجاربهم، وأشعر أنهم موجودون في داخلي، لكن لا أعرف كيف استطعتُ، بطريقة ما، تذويبهم في جملتي لدرجة أنهم اختفوا. كلّ الكتّاب، الرسّامين، الموسيقيّين، المغنّين، الراقصين، الذين فتحوا أبواباً جديدة، وثاروا على القوالب الجامدة، وغامروا، واستباحوا، وتحرّروا، وحرّروا، هم آبائي، من الصوفيّين إلى الرومنسيّين إلى السرياليّين إلى المجانين.
على الشاعر أن يخلق لغته الخاصّة، ولا يستطيع أن يكون مع اللغة "الرسميّة"، السياسيّة والدينيّة والتربويّة والأخلاقيّة، كما أنّه في مسيرته الطويلة والشائكة، لا يسلك "الأوتوستراد" العريض إنّما يأخذ الطريق الترابيّة الضيّقة المفضية إلى رئة الغابة، غابة النفس البشريّة.
طبعاً أنا وريث الحداثة العربيّة، لكن فوق ذلك، أشعر كإنسان معاصر، أنّ عليّ وعي التراث الروحيّ والعقليّ البشريّ، وفهمه على حقيقته، والتفاعل معه قدر المستطاع، والإفادة من جميع التجارب التي حقّقها الأدباء في مختلف أصقاع العالم.
لماذا اخترت أنسي الحاج وشعره لإعداد أطروحة دكتوراه؟
قرأتُ "لن" باكورة أنسي الحاج في مراهقتي، وأحسستُه في شهوتي أكثر ممّا أدركتُه في فكري. يومها، كنتُ طالباً في الجامعة، فقرّرتُ أن أكتب رسالة الدبلوم عنه. بعدها، وقع نظري على ديوانه الخامس "الرسولة" فآنسني كسراج، ولم أجد نفسي إلّا وأنا أدوّن على دفتر صغير جملاً من الديوانين، بدت في البداية كأنّها لشاعرين مختلفين وليس لشاعر واحد. هذا ما أثار فضولي وجعلني أتساءل: كيف يستطيع شاعر بهذه القسوة أن يصبح رقيقاً، وبهذه القوّة أن يغدو عطوباً؟ هذا التساؤل المشدود إلى وترين متناقضين، دفعني إلى كتابة أطروحة الدكتوراه عنه أيضاً تحت عنوان "التحوّلات الشعريّة (من "لن" حتى "الرسولة")"، راصداً مسيرة استثنائيّة في الشعر العربيّ المعاصر، لشاعر يجمع الأقصويّات لا ليقيم التوازن بينها بل ليُعيد اللُّحمة إليها بعد أن انقسمت وحدتُها بفعل الشرط البشريّ، كأنّما الشعر مصالحة الداخل والخارج، مصالحة الذات مع جوهرها.

لماذا انحزت أخيراً إلى قصيدة الشاعر محمد الماغوط، وكيف تراها اليوم وكيف كنت تقرأها سابقاً؟
أميلُ إلى الشعر الذي ينضمّ إلى الغريزة أكثر منه إلى العقل. بمعنى آخر، أفضّل الشعر "الطبيعيّ" أو "الشهوانيّ" على الشعر "المثقَّف" أو "المرتَّب". فقصيدة الماغوط مكتوبة بتلقائيّة مدهشة، كأنّها ردّ فعل فطريّ لا يعي نفسه لشاعر بدائيّ يكتب ليحمي نفسه. وقد استطاعت، بعد مرور أكثر من نصف قرن عليها، أن تبقى الصوت الصارخ في برّية الوطن العربيّ، والبيان الرسميّ للجياع والمقهورين والمشرّدين، حاملةً أوجاعهم وعذاباتهم ومراراتهم بلا ماكياج وعمليّات تجميل.
وأنت تكتب الشعر، مرجعك النقد وعدته المجهّز بها أو ماذا، أو تتحرر من هذا كلّه؟
يهمُّني، وأنا أكتب، أن أرضي نفسي أوّلاً، وأعبّر عن مشاعري وأفكاري بلا قيد أو شرط. وفي حال تفاعل الآخرون مع ما أكتبه، فهذا مدعاة للسرور، لأنّ الكتابة، شئنا أم أبينا، تفاعُل، وتواصُل، وامتدادُ يدٍ ولو في الفراغ.
تقول إن الشعر لا يحتاج إلى معنى، وأنه ربما يموت أو يؤدلج مع المعنى، فما هو الشعر بلا معنى؟
لا يخلو الشعر من المعنى، لكن المقصود بهذا القول أنّ هَمَّ الشعر الأساسيّ ليس المعنى. فهو لا يذهب مباشرة إليه، ولا يبتغي منه التسويغ والتفسير والتحليل والاستنتاج، فهذا شغلُ الفكر والبحث والفلسفة، بل يتعاطى مع الإحساس الذي يقود إلى المعنى، ومع الصورة التي تختزل الفكرة.
وإذا كان المعنى، في أحد مفاهيمه، هو المنطق، فالشعر ضدّ المنطق، قفزة خارج العقل.
لا يحمل الشعر رسائل محدّدة، ولا يقدّم حلولاً، بل ينزع إلى الحرّية والجمال بمجّانية مطلقة. الشعر عقيم، من هنا سحرُه وقوّتُه.
ما علاقتك بالسياسة وبالواقع؟
الشعر على تماس يوميّ مع الواقع حتى لو بدا أنه يرفضه أو يتخطّاه. وبالنسبة إلى السياسة، نعم، الكتابة نوع من السياسة، كموقف من الحياة والوجود، وكنظرة إلى الحبّ والله والطبيعة. لا يمنعني الشعر من أن أتابع وأتفاعل مع كلّ ما يجري من حولي، لكن في الوقت عينه أملك قدرة الانفصال عنه. في هذا الترنُّح بين الانغماس بالأشياء والتفلُّت منها، أجد نفسي أحيا وأكتب. هذا إيقاعي. هذه لعبتي.
ما انعكاسات أزمات العالم على الشعر (والإنسان عموماً)، هل تلاحظ تغيرات في الكتابة؟
كلّ الأزمات تنعكس على الشاعر، تتراكم وتحتشد لتشكّل خلفيّة لشعره ولو غير ظاهرة. وأحياناً نتيجة تصادمه مع الواقع وسوء التفاهم الذي ينشأ بينه وبين العالم، ينسحب من المشهد إلى نفسه، آخذاً معه، دون أن يدري، كلّ التفاصيل. أتابع ما يجري يوميّاً، في لبنان والعالم، مشدوداً ومنجذباً إلى أحواله وتبدّلاته، كأنّ هناك رباطاً بيني وبينه لا فكاك منه. لكن يحدث من حين لآخر، أن أقطع الخيط وأتعلّق بالغيوم. هكذا أعيش في الهواء بداعي العادة، وفي الوقت نفسه أتعاطى شؤون وشجون الحياة بغير أمل مفرط، كأنّما مكتوب عليّ أن أبقى معلّقاً بين رأسي وحذائي، مضغوطاً كمرطبان.
الشوق إلى كرة قدم
لا يخفي فوزي يمين، الشاعر والكاتب، شوقه الدائم للعب كرة القدم، "لا شيء يعادل هذه الفرحة"، يقول. ويروي أنه عندما يوصل ابنه أحياناً إلى التمرين وينزل متّجهاً إلى الملعب، "أبقى أنظر إليه من الخلف متمنّياً في سرّي لو أنّ بمقدورنا، ولو لمرّة، تبادُل الأدوار".
وإذ يؤكد أن لا هدف لديه في الحياة، يبوح بأنه يود "كلّ يوم تسجيل هدف في مرماها".
وعلى رغم ذلك لا يدري "إذا ما كانت هناك علاقة مباشرة بين كرة القدم والكتابة، لكن يمكن القول إنّ في الاثنتين لعباً وإيقاعاً وطريقةً وأسلوباً".
ويقول: "في كرة القدم، كان بيت أهلي على الطريق، حين خرجتُ وجدتُ طابة ركلتُها فأعطوني ميداليّة. وفي الشعر، حين بدأتُ كتابة القصائد في المدرسة، صفّق لي التلاميذ وتلقّفني أستاذي مرسلاً إحداها إلى الجريدة. غدوتُ لاعباً معروفاً، وفي الوقت نفسه انكببتُ على الكتابة في الجرائد إنّما على هواي ودون التزام".