مات فيصل فرحات.
وفيصل، كما أراد أن تقول حكايته، كاتب مسرحي وشيوعي وفقير. أمّا ما قالته الحقيقة الكبرى فهو أنه عاش ومات إنساناً بثياب رثّة ينتعل حذاء عتيقاً، أو ما تبقّى منه، يمشي مثقلاً، ويقف متعباً، ويحمل كيس نايلون يحتوي على أوراقه المحبَّرة وكتبه التي يبيعها موقّعة إلى أصدقائه ومَن يشفق على القراءة والكتابة ونتائجهما الماثلة في حياة فيصل وهيئته.
مات فيصل، ويمكن التخيّل أن كيسه ذاك ما زال ينطوي على أوراق لم تُنشر، وكتب لم تُبع.
وفي الأثناء، فيما مات فيصل، انقسم كثيرون من روّاد التواصل الاجتماعي.
من جهة حضر الرثاء والبكاء على الأطلال، وفي الطريق على فيصل، مع مديح للثقافة المرافقة للحزب الشيوعي ونضاله الاجتماعي والوطني، وللماركسية والأدب الواقعي، وللمثقفين الملتزمين الذين لم ولن يتركوا الخندق والفقراء.
ومن الجهة المقابلة، برز استنكار هذا النوع المكرّر من الرثاء والبكاء على الأطلال والمديح، مع السخرية من القدر الذي وصل إليه الحزب الشيوعي الذي، وفق منتقدين، لا يُذكر إلا في أوراق النعي ودفاتر الأمجاد وكتب الماضي، وقد صار حزب الختايرة والسابقين والراحلين ولا يُحرّك ساكناً، لا في السياسة ولا في الثقافة ولا في احتضان مناضليه.
لا شكّ في أن فيصل، الذي عاش ومات مسكيناً وعليلاً، يستحق التضامن، وفي حياته قبل مماته. لكنّ أوراق النعي المكررة باتت مضجرة ومنفّرة، وتستحق النعي.
وفي المقابل، لا شكّ في أن استنكار ذاك النوع من التغنّي بالأمجاد والماضي، ونقد الحزب الشيوعي وتدهور أحواله وعجزه عن إنتاج ثقافة واحتضانها، يحملان شيئاً من المنطق. لكنّ هذا الرأي لا يقول كلام حقّ في غير مناسبته وأوانه (موت إنسان) فحسب، بل يغرق في المرارة والعتب والنظرة الجزئية، إلى الحزب الشيوعي وأزمته الفكرية والسياسية والتنظيمية، وإلى لبنان والعالم.
هذان الموقفان يمكن اعتبارهما، في أفضل الأحوال، عاطفيين، ولا يتجاوزان ذلك لقراءة المتغيرات ومواكبة المستجدات، في العالم ولبنان، وفي الثقافة والسياسة والاقتصاد والاجتماع. فالأول وهو ينعى يبدو خارج الحياة. والثاني وهو ينتقد غياب الحياة ينعى. الأول يرى السياسة والثقافة في الماضي. والثاني يرى السياسة والثقافة في حطام الحاضر.
أعتقد أن هذا زاروب مغلق. فلا الرثاء (أو الجمود في الوفاء) يحمي حزباً، ولا جَلدَه (بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن اليسار الذي تبخّر والمعارضة الوطنية الديمقراطية التي لم تولد بعد) يصلحه.
فعلى رغم أن هذه مأساة الحزب الشيوعي واليسار والمعارضة، وهؤلاء كافة يحتاجون إلى تقييم التجربة والفكر والخطاب والمشروع، وإلى إنتاج ما هو جديد، إلا أن البلد كلّه في هذه الحال: البلد كلّه يشهد موتَ "عالمٍ" وعسرَ مخاض "عالم" جديد، فيما الانقسام على ورقة النعي.
وهذا زاروب مغلق أيضاً. والبقاء فيه يخدم مَن يَسرحون ويَمرحون فوق الموت والعذابات والخراب، وأوراق العملة وأوراق الروزنامة، وفوق البلد الذي تحوّل سوقاً تتهاوى فيها طبقات ويصعد فيها أصحاب ثروات، يصدِّرون هم أوراق السجلات العدلية: النظيفة لهم والممهورة بـ"محكوم" لكلِّ مَن يتألّم لموت ولا يصرخ من أجل الحياة.