في فيلم F9 من سلسلة Fast and Furious (السريع والغاضب)، يهرب متسابق الشوارع والسارق الذي تحوّل إلى جاسوس خارق «دومينيك توريتو»، المعروف باسم «دوم» (فين ديزل)، من مطارديه خلال عملية في الأدغال عبر تشغيل الداعم الصاروخي في مركبته المتطورة، فيُحلّق فوق حافة منحدر ويستعمل سلكاً للتأرجح مع زوجته وشريكته في التجسس «ليتي أورتيز» (ميشيل رودريغز) والوصول إلى مكان آمن على الجهة الأخرى من الجبل. يختصر هذا المشهد أجواء الفيلم العامة.
في هذا الجزء، تظهر شخصية شقيق «دوم» الضائع منذ وقت طويل: إنه «جاكوب توريتو» (جون سينا) الذي اختفى من حياة «دوم» في العام 1989 بعد لومه على حادث تحطم سيارة أسفر عن مقتل والدهما الذي كان متسابق سيارات. في الزمن الحاضر، يقيم «دوم» في عزلة مع «ليتي» وابنهما قبل أن يظهر «رومان» (تايريز غيبسون)، و»تيج» (كريس بريدجز)، و»رامسي» (ناتالي إيمانويل)، لإبلاغهم بأن خبير الأمن القومي الشهير، «مستر نوبادي» (كيرت راسل)، قبض على عدوتهم السابقة «سايفر» (تشارليز ثيرون)، لكنّ الطائرة التي كانت تصطحبها إلى السجن تعرضت للهجوم على يد عملاء فاسدين وتحطمت في منطقة «مونتيكينتو» الخيالية في أميركا الوسطى. ثم تنتقل الأحداث إلى «مونتيكينتو»، حيث تفتش العصابة الأنقاض وهي ترتدي ملابس توحي بأنها ذاهبة لحضور حفل شواء. سرعان ما يتبيّن أن «جاكوب» يقف وراء تحطم الطائرة وقد جلب «سايفر» إلى رب عمله، وهو شاب غني ومريض نفسي من شمال أوروبا اسمه «أوتو» (ثو إرستد راسموسن). يريد «أوتو» أن يقتني ويجمع نصفَي جهاز سري متطور يستطيع السيطرة على الشبكات الأمنية في جميع بلدان العالم. لديه أب أيضاً يتكلم عنه الجميع لكننا لن نشاهده مطلقاً (يلعب دوره الممثل مادس ميكلسن في الجزء العاشر).
يزداد الجانب المتعلق بالتجسس تعقيداً بعد هذه المرحلة. وكما يحصل في معظم أجزاء هذه السلسلة، لا أهمية للتحولات في الأحداث، باستثناء الجزء الذي يتطرق إلى أشقاء وشقيقات «دوم» باعتبارهم عائلة فقيرة من الدخلاء تشمل أحياناً أشخاصاً يجمعهم رابط الدم، لكن ترتكز هذه العلاقات عموماً على القيم المشتركة، والوفاء، والاستعداد للموت من أجل القبيلة. لتحقيق هذه الغاية، يتعامل ديزل وسينا بجدّية فائقة مع الحبكة المرتبطة بظهور شقيق اختفى منذ وقت طويل وغيّر مسار حياته. هما يقدّمان هذا الجانب بطريقة ميلودرامية استعراضية، وهي مقاربة جديرة بالثناء ومحفوفة بالمخاطر في هذا النوع من الأعمال. يجب ألا ننسى طبعاً أن سينا وديزل أثبتا جانبهما المضحك في مشاريع أخرى، لكن لا أحد يطلب منهما الابتسام هذه المرة. تسود أجواء قاتمة وعاصفة طوال الوقت. بعد مرحلة معينة، تصبح نزعة سينا إلى التجهّم والصراخ مملة. حتى أننا نتمنى في لحظات معينة أن ينتقل الفيلم سريعاً إلى المواجهة الكبرى بين «دوم» و»جاكوب» لتصفية الحسابات بينهما بشكلٍ نهائي. لكن تحمل اللحظات الأخيرة بين مختلف الشخصيات طابعاً مؤثراً يناسب مجال المصارعة العالمية.
على صعيد آخر، يشكّل تايريز غيبسون وكريس بريدجز فريقاً كوميدياً مدهشاً كالعادة، وتضفي ميشيل رودريغز طابعاً عاطفياً وواقعياً على مشاهدها مع فين ديزل، فتعطيها ثقلاً تفتقر إليه بقية أجزاء الفيلم. ينجح ديزل في الحفاظ على تماسك العمل بشكل عام بفضل شخصيته القوية وهيبته المعروفة. لكن يبدو «دوم» في منتصف العمر رجلاً كئيباً. يُصوّره المخرج جاستن لين وكأنه تمثال جامد يجسّد شخصيته بعد موته. من الصادم أن ندرك المدة التي لعب فيها ديزل دور «دوم» ومستوى تغيّر هذه الشخصية مع مرور الوقت. في الفيلم الأول، كان هذا الرجل الشخصية الشريرة الرئيسية ولطالما أجاد التعامل مع الظروف المتبدلة عند الحاجة. لكن في مرحلة معينة (بعد فيلمه الأخير مع بول ووكر على الأرجح)، بدأ ديزل يبدو أكبر سناً وأكثر تعاطفاً: أصبح «دوم» مثقلاً بالمسؤوليات المترتبة عليه تجاه عائلته، مثلما يشعر ديزل على الأرجح بأهمية التزامه بهذه السلسلة الناجحة التي تدين له بالكثير.
أصبح «دوم» الآن أكثر قدرة على التباهي بنفسه، لكنه يتحرك وكأنه مكسور ومثقل بالهموم، وترتسم على وجهه معالم رجلٍ حقق أهدافه بأصعب الطرق. هو يتعامل مع العالم بصرامة تضمن له القضاء على جميع أعدائه، وهو يهزم الكثيرين هذه المرة. حتى أن «دوم» يقاتل 12 رجلاً دفعةً واحدة وهو أعزل في أحد المشاهد. في مرحلة معينة من هذا القتال، يعرض المخرج لقطة من فوق لإظهار المقاتلين المكدّسين فوق «دوم» وكأنهم أولاد ألقوا أنفسهم فوق شخصٍ راشد. يتوقف «دوم» عن التحرك في تلك اللقطة لكنه ليس ميتاً طبعاً، بل تتطاير الجثث لاحقاً في الهواء. باختصار، نحن أمام شخصية وسلسلة أفلام غير قابلة للتدمير!