ليس لدينا في مواجهة التحديات سوى خيارات ضيقة وصعبة. والوقت حان، مع التمسّك بالأمل، للعمل على تغيير الواقع لأن "الأمل فطور جيد لكنه عشاء فقير" كما يقول المثل الأميركي. فالسلطة المأزومة التي نطالبها بالحلول هي "الممثل الشرعي" للوضع اللبناني المأزوم. وقمة البؤس أن تكون الحكومة المأزومة هي اللعبة الوحيدة في المدينة. سقوطها رحلة في المجهول. والحفاظ عليها رحلة في "المعلوم" الأخطر: العجز عن مواجهة الأزمات إلاّ بالشلل والأزمات ثم الترقيعات. معظم أزمات الحكومة شغل اليد، وهي متنوعة ومتنقلة بالصدامات بين أطراف السلطة. وحين نتوقف عن صنع الأزمات، تفرض علينا حسابات من خارج الحكومة ولبنان، للوقوع في ورطة جديدة. والتحدّي هو كيف نرد على أحدث ورطة حيال قرار أميركي يفرض عقوبات على المسؤول الأمني في "حزب الله" وفيق صفا والنائبين محمد رعد وأمين شري؟ "حزب الله" يطالب، ومعه حلفاؤه، بموقف رسمي قوي ضد القرار. والإدارة الأميركية تقول إنه "يجب على الحكومة قطع اتصالاتها بأعضاء الحزب المدرجين على اللائحة". وتهدّد بأنها "لن تغلق أعينها على أعضاء الحزب في الحكومة". ولكل موقف ثمن والحل الوسط مهمة مستحيلة.
وكالعادة، فإنّنا بارعون في سياسات التهويل والتهوين. هكذا واجهنا تقرير بعثة صندوق النقد الدولي: تهويل عبر التحذير من إفلاس البلد وتهوين عبر الإيحاء أنّ لعبة الأرقام سجّلت في الموازنة خفضاً لنسبة العجز أكثر من المطلوب. وهكذا واجهنا حادثة قبرشمون: تهويل بأخطار وجودية على العيش المشترك وبأمور أكبر من تعطيل الحكومة. وتهوين بالقول أنّ الأزمة "غيمة صيف وتمرّ". وما أكثر غيوم الصيف. وهكذا الحال مع العقوبات الأميركية: تهويل بأنّ العقوبات فصل في الصدام الأميركي – الإيراني المرشح لمزيد من التصعيد، وأنها ستفرض على أطراف أخرى. وتهوين بأنّ القرار سبقته قرارات، وكلّها لا تؤثر على "حزب الله" وأصدقائه والحكومة، وهي تعبير عن "فشل" أميركا في مواجهة "محور المقاومة والممانعة".
لكن المأزق أعمق. فالتحولات في المنطقة هائلة. وما يربط بين المربعات الطائفية والمذهبية هو الخوف من سقوط التركيبة.
وما كشفته العقوبات هو التسليم بأنّ "حزب الله" يحتاج الى مظلّة الشرعية لحمايته، بصرف النظر عن فائض القوة لديه.
والمعادلة التي وضعها ميشال شيحا أيام الاستقلال لا تزال تعبر عن الواقع: "إرادة العيش المشترك قائمة على الخوف السياسي المتبادل والمنفعة الاقتصادية المشتركة".