حسان الزين

الكتاب يكشف انحسار لبنان

3 دقائق للقراءة

يوماً ما كان يُقال: القاهرة تكتب، بيروت تطبع، بغداد تقرأ (وفي رواية أخرى الخرطوم).

كان ذلك حين كان لبنانُ لبنانَ. حين كان بلدُ الحرفِ جسراً بين الشرق والغرب، حين كان لبنان، موطن المطبعة الأولى في الشرق، العقل واليد اللذين يُتقنان استخدام الآلة الغربية عربيّاً.

كان ذلك. كان يوماً ما.

والآن، تواصل دور النشر والمطابع في لبنان عملها. تفعل ذلك بصعوبة نتيجة الانهيار الاقتصادي والمالي، لكنّها ما زالت تعمل. وما زالت تنتج للعالم العربي الذي باتت له دور نشر ومطابع أخرى في مدنه غير التي في بيروت. القاهرة صارت تكتب وتطبع. بغداد كذلك، ومثلها الخرطوم ودمشق وجدة ودبي وأبو ظبي والرباط والجزائر وتونس... إلخ. ولم يعد المخطوط العربي مضطرّاً إلى عبور الحدود نحو بيروت ليغدو كتاباً وينتشر عربيّاً. ولم تعد بيروت "واحة حريّة" يلجأ إليها المبدعون العرب حين تضيق بهم أوطانهم. وفيما تنشط في غير بلد عربي، مثل الكويت والسعودية والإمارات وقطر، المؤسسات الثقافية الحكومية أو المدعومة من دولها، تواجه دور النشر والمطابع في لبنان، وكلها مؤسسات خاصة، التحدّيات الكبرى وأسئلة المصير، ويتضاءل إنتاجها وتتقلّص أجنداتها. وتُستثنى من ذلك دور النشر والمطابع الحزبية التي تنشر مؤلّفات عقائدية بلا أفق عربي. فبيروت لم تعد عاصمة عربيّة - عالمية للثقافة عموماً والكتاب خصوصاً. وإضافة إلى أنها سوق ضيّقة للكتاب الذي تؤلّفه وتطبعه، تُقفل في وجه كتابها أبوابُ بلدان عربية عدة، أهمّها السعودية التي باتت منذ عقود سوقاً واسعة ومهمّة للكتاب.

وإذ يتحمّل الكتابُ عواقب تهريب المخدّرات (كون إجراءات تلك الدول لمنعه)، يدخل عنصرٌ تخريبيٌّ آخر على أزمة الكتاب العربي عموماً واللبناني خصوصاً. ألا وهو قرصنة الكتب ونسخها مصوّرةً في غير بلد عربي، وفي غير وجه حق. ما يحرم دور النشر التي تتكلّف إنتاج الكتب، سواء أكانت مترجمة أم عربيّة المولد، أسواقاً، ويكبّدها خسائر في ظل استقالة دول تلك البلدان من دور حماية حقوق الملكية الفكرية والأدبية. ولهذا الأمر انعكاسات تتجاوز الورق وصناعته إلى التأثير السلبي والمصيري على الثقافة والإبداع والعاملين فيهما، وعلى المستوى والاحتراف.

هكذا، وفي ظل الانهيار الإقتصادي في لبنان وانعكاساته السلبية على صناعة الكتاب، وعلى الثقافة والإبداع، تتغيّر الخريطة العربية للكتاب. وهي جزءٌ، أو بُعدٌ، من الخريطة الإقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية العربية الآخذة بالتغير أيضاً، وينحسر فيها موقع لبنان ودوره.