وليد شقير

شراء الوقت الإيراني مع تراجع شعبية النظام

4 دقائق للقراءة

لم يشأ المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران إعطاء فرصة للتيار الإصلاحي كي يثبت قوته في البرلمان الإيراني من خلال الانتخابات التشريعية يوم الجمعة الماضي.

كان من الطبيعي أن ينعكس ما سبق تلك الانتخابات من أحداث مهمة في صناديق الاقتراع والذي جاءت نسبته الأكثر انخفاضاً منذ قيام الثورة الإسلامية وحكم ولي الفقيه العام 1979. وأهم الانعكاسات التي كان ينتظر أن تؤثر في الانتخابات عاملان:

- تجدد انتفاضة الشباب الإيراني والطبقات الشعبية المتضررة من تراجع الوضع الاقتصادي منذ أخذ يسوء في العام 2016، بعد استئناف العقوبات الأميركية التي كانت علّقت في عهد باراك أوباما نتيجة التفاهم مع إيران على تقييد برنامجها النووي وامتثالها للقرار الدولي في هذا الشأن. لكن الأهم إدراك نظام الملالي أن الأسلوب القمعي الدموي الذي استخدمه الحرس الثوري لوقف الحركات الاحتجاجية في تشرين الثاني الماضي، والتي تجددت بقوة في المدن الإيرانية كافة اعتراضاً على رفع أسعار الوقود، سيؤدي إلى ترجمة النقمة الشعبية ضد النظام في هذه الانتخابات. فسقوط ما يقارب الـ 1500 قتيل كان لا بد من أن يعبئ قطاعات واسعة من الإيرانيين لمصلحة الإصلاحيين في العملية الانتخابية لتتوسع قاعدة الاعتراض. فالشباب الإيراني وشرائح عمرية أخرى تجرأوا على الهتاف "ليسقط الديكتاتور"، خامنئي، على نطاق واسع هذه المرة مقارنة مع انتفاضات وتظاهرات احتجاجية أخرى العام 2017 – 2018 جرى قمعها.

- اغتيال واشنطن لقائد قوة القدس في الحرس الثوري اللواء قاسم سليماني شكل ضربة نوعية للمشروع الإيراني التوسعي في الإقليم، والذي كان مهندسه وملهم وسند الميليشيات التي تأتمر بطهران، من أفغانستان إلى لبنان. غياب سليماني فتح الباب لبروز الاتجاه القابل للتفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية والذي يتشكل من المعتدلين والإصلاحيين داخل النظام نفسه (الرئيس حسن روحاني)، وخارجه، وإن تفاوتت توجهاتهم ودرجة انفتاحهم. اضطرار المتشددين إلى تدوير الزوايا في الرد على الاغتيال وتجنب مواجهة عسكرية مع واشنطن في المنطقة، أظهرهم بمظهر الضعف، قياساً إلى أسلوب المكابرة والعنجهية الذي يتميز به قادة الحرس الثوري.

لم يكن خامنئي ليسمح بأن ينجح الإصلاحيون في تشكيل تكتل مؤثر بين الـ 290 نائباً في مجلس الشورى، ليمارسوا ضغوطاً عليه وعلى "الحرس"، ولاستضعاف موقعهما في ميزان القوى الداخلي. فالاحتجاجات التي أطلقها تردي الوضع الاقتصادي استؤنفت، بعد مظاهر الالتفاف الشعبي حول النظام في جنازة سليماني، تنديداً بإسقاط الطائرة الأوكرانية وأكثرية ركابها من الإيرانيين. وتكررت فيها الشعارات ضد المرشد، "لا غزة ولا لبنان روحي فدا إيران"، داعية إلى وقف الاستثمار المالي في حروب المنطقة (يرتفع إرسال ضحايا الإيرانيين، كما في سوريا الأسبوع الماضي نتيجة معارك ريف حلب والقصف الإسرائيلي، بالأكفان إلى ديارهم)، بدل خفض نسبة الفقر بين الإيرانيين. لم يكن عن عبث حجب "مجلس صيانة الدستور" ترشيحات آلاف الإصلاحيين. وما انخفاض نسبة الاقتراع إلى نحو 40 في المئة، إلا نتيجة لذلك، بعدما كان معدلها في السنوات الماضية زهاء 62 في المئة حيث بلغت في بعض المدن زهاء 30 في المئة على رغم تشجيع خامنئي على الاقتراع باعتباره "التصويت واجب ديني". والحصيلة تضييق رقعة شعبية النظام. لا يفيد اتهام الإعلام الأجنبي بالضخ الإعلامي لإحباط الإيرانيين وثنيهم عن المشاركة في الانتخابات وأنهم "أحبطوا دعاية استغلت "كورونا".

الاطمئنان إلى حصاد الحرس والمتشددين أكثرية الثلثين، هروب إلى الأمام وشراء للوقت حتى الانتخابات الرئاسية الأميركية، بعد ربط حكام طهران ضمان استمرارية النظام بالدور الإقليمي الذي يزداد تعقيداً في الدول الخاضعة له. حتى خيار التفاوض مع واشنطن لرفع العقوبات مقابل الانكفاء من بعض الساحات، وضمان أمن إسرائيل، المطلوب أن يتولاه المتشددون حماية لمواقعهم.