مجدّداً، الطاقم الطبي في مهبّ «العصبية». إذ لا يكفي أنّ واقع المستشفيات مهدّد، بسبب هجرة الأطباء والممرّضين من ناحية، وارتفاع أسعار المستلزمات الطبية من ناحية أخرى، حتى بات محاصراً بغضب الناس أيضاً. ما حصل في مستشفى راغب حرب في تول- النبطية من اعتداء وتحطيم لقسم الطوارئ من قبل أبناء المواطن عباس ياسين من بلدة القصيبة، ما هو إلا بداية لعصر الفوضى، والآتي أعظم.
ففجر نهار الأحد، توفّي المواطن عباس، فأقدم أبناؤه على تحطيم قسم الطوارئ. ما زالت الملابسات في ما حصل قيد التحقيق، غير أنّ المعلومات المتوفرة، تؤكد أنّ عباس تعرّض لتسمّم غذائي جرّاء تناوله الدجاج من أحد المطاعم، وهو ما أظهرته الفحوص المخبرية. حضر عباس مساء السبت قرابة الثامنة تقريباً إلى قسم الطوارئ في المستشفى وتلقّى العلاج وغادر، ليعود فجر الأحد بعوارض مماثلة، وبعد عشر دقائق فارق الحياة.
تعدّدت الروايات حول ما حصل: أهو خطأ طبّي؟ تسمّم؟ أو تجلّطات؟ حتى الساعة الملف يخضع للتحقيق من قبل لجنة طبية في المستشفى، ودخلت على الخط وزارة الصحة التي أدانت الإعتداء وتعمل على متابعة ملف التحقيق لتبيان ما حصل.
تبعاً للمعلومات فإنّ ياسين صرّح قبل وفاته أنه تناول دجاجاً رائحته كريهة، تسبّب له بعوارض قيء وإسهال حاد. مات في غضون أقل من ستّ ساعات. ولكن ماذا لو كان السبب الحقيقي التسمّم الغذائي؟ ما يعني أننا أمام قنبلة غذائية تُنذر بالخطر.
في حالة ياسين، ظهر التسمّم في الفحوصات التي أُجريت له في المستشفى، وصف له الطبيب العلاج، غير أن صحته سرعان ما تدهورت، لأن الدجاج على ما تشير المعلومات فاسد جدّاً وقاتل. وهنا يطرح ملف آخر أكثر خطورة. من يُراقب الدجاج في المحال والمطاعم، ومن يخضعه للفحوصات الدورية؟ بالطبع لا أحد. لأن أجهزة الرقابة الحكومية مُنهارة ومتحلّلة.
في المقابل، أشار أهل الفقيد إلى أنّ الوفاة حصلت بسبب تعرّض ياسين لتجلّطات وظهور بقع زرقاء على جسده، وليس نتيجة التسمّم، وهو ما استدعى رفع دعوى بحق المستشفى الذي رفع بدوره دعوى مضادة بسبب الإعتداء على قسم الطوارئ فيه. وإلى حين تبيان الحقيقة وسبب الوفاة، فإنّ الاعتداء على الصرح الطبي يُنذر بالخطر بحدّ ذاته، ويهدّد الأمن الصحّي المهزوز أصلاً.
وبحسب مصادر وزارة الصحّة فإنّه سيصار إلى إجراء تحقيق دقيق، لأنّه إذا تبيّن أنّ الوفاة حصلت بفعل التسمّم الغذائي، فهذا يعني أننا سنكون أمام قنبلة محفوفة بالخطر تهدّد الأمن الغذائي للناس. وهو أمر غير مستبعد، لأنّه كما تقول المصادر «يستغلون غياب الرقابة».
لم يستوعب أبناء ياسين فكرة وفاة والدهم أمام أعينهم، إذ اعتدوا على قسم الطوارئ في مستشفى راغب حرب، وقاموا بتحطيم معدّاته فجر الأحد. وعليه سيبقى «مُستشفى النجدة» وحده يستقبل المرضى في الطوارئ بعد خروج قسم الطوارئ في «راغب حرب» من الخدمة، في حين ما زال مستشفى نبيه برّي الجامعي خارج الخدمة أيضاً، وهو أمر ستكون له تداعياته.
ومساء أوضحت إدارة مستشفى الشيخ راغب حرب الجامعي في بيان، أنّه «بتاريخ 11-3-2023، أحضر المريض ع. ي إلى قسم الطوارئ إثر وعكة صحية، وبعد الفحص الشامل تمّ تقديم الواجب الطبي المتعلّق بحالة المريض وفق البروتوكولات والآليات الطبية العلمية المعتمدة، وبعد وفاته تعرّض قسم الطوارئ لاعتداء همجي بالهجوم والتكسير، ما أدى إلى ترويع المرضى وأهلهم والطاقم الطبي والتمريضي، وخسائر مادية كبيرة أخرجت قسم الطوارئ من الخدمة».
وأسفت «لحصول هذا الاعتداء في ظل ما يقدّمه المستشفى والجسم الطبي والتمريضي من تضحيات من أجل معالجة آلام أهلنا الأعزاء وبلسمتها، وقد أحلنا المسألة على الجهات القضائية المختصة، وسنطالب بمحاسبة المعتدين لتجنّب اعتداءات متكررة مماثلة والحفاظ على هذا الصرح الطبي المعطاء الذي سيبقى دائماً في خدمة أهلنا الأعزاء».