لم يبدأ الاستبداد مع طُغاة القرن العشرين وأهوال حروبهم المدمّرة والمجازر التي ارتكبوها. الجزّارون المتعطّشون إلى سفك الدماء متناثرون، هنا وهناك، في صفحات التاريخ، قديماً وحديثاً. هناك أسماء أصبحت راسخة في الذاكرة الجماعيّة، من كاليغولا ونيرون، إلى الإمبراطور كين شي هوانغ، الموحِّد الأوّل للصين. وكان هذا الأخير، ليتخلّص من العلماء والمتعلّمين، يدفنهم وهم أحياء. ماو تسي تونغ تباهى بأنّه وريثه واعتبره ملهماً له.
الإجرام لا ينحصر في مكان وزمان محدَّدَين. هناك اختلاف فقط في أساليب الجريمة والوسائل المعتمدة في تنفيذها. القرن العشرون الذي شهد ذروة العنف البشري مع الحربين العالميتين وإلقاء القنبلة النوويّة الأولى في التاريخ، أنجب عدداً كبيراً من الطغاة، وقد واكب صعودهم التقدّم التقني والتكنولوجي، فوجدوا بين أيديهم أسلحة لم تكن معروفة من قبل وتمتّعوا بإمكانات هائلة للقتل والدمار. وطالعتنا مؤخّراً أسماء عدد من هؤلاء في كتاب بعنوان "قرن الديكتاتوريّين" (منشورات "بيرين/ لوبوان" الفرنسيّة). أشرف عليه الكاتب الفرنسي أوليفييه غيز، وشاركت في صياغته مجموعة من الكتّاب والمؤرّخين. يجمع هذا الكتاب بين دفّتَيه سيَر 26 طاغية، من بينهم هتلر وستالين وموسوليني وبينوشيه وماو تسي تونغ. إلى جانب عُتاة ديكتاتوريي القرن العشرين، يحضر بعض الديكتاتوريّين العرب، لكنّي أكتفي، هنا، بذِكر اثنين منهم فقط: صدّام حسين ومعمّر القذّافي، لأنّني لا أتجرّأ دائماً على ذِكر أسماء الديكتاتوريين الأحياء، أَكَلَة لحوم البشر، وقَتَلَة كلّ من يخالفهم الرأي وينتقد سياساتهم الجائرة.
يبحث الكتاب عن القواسم المشتركة التي تتمحور حولها شخصيّة الطغاة: نشأتهم وتكوينهم النفسي وصعودهم المفاجئ وعنفهم وطغيانهم وتكريسهم عبادة الشخصية وسياستهم اللاعقلانية القائمة على ضمور ذهني ومعرفي وأخطاؤهم الاستراتيجية الكبرى وانحيازهم إلى الحروب التي تودي ببلدانهم.
الديكتاتور هو الذي يستأثر بالسلطة المُطلَقة ويحكم وفق مزاجه الخاصّ معتبراً أنّ الدولة ومن فيها مُلك له، وهو الذي يحتقر الحياة الإنسانية ويستبيحها تماماً. بعض الطغاة يصل إلى السلطة عبر مسار انتخابي، والبعض الآخر يستولي عليها بالقوّة وفي ظروف تطغى عليها الفوضى. في لحظات الانهيار الكامل، هناك جنوح نحو الحلّ الأسوأ، واختيار الشخص الأسوأ والبطل الوهمي. لذلك، نجد شعوباً ينزل عليها الديكتاتور نزولَ الصاعقة، بينما هناك شعوب أخرى يكون لها دور في صناعة الحاكم المستبدّ ودعمه وبقائه في السلطة. قسم كبير من الشعب الألماني ساند هتلر، كما كانت الحال في إيطاليا مع موسوليني. وحتّى الآن، لا يزال ثمّة من يحمل الراية النازية في ألمانيا أو يبيع تماثيل صغيرة تمثّل "الدوتشيه" في بعض شوارع المدن والقرى الإيطاليّة.
تنطوي شخصيّة الطّاغية على جانب كاريكاتوري هزلي، لكنّه الهزل الدمويّ الذي لا يرحم. الطاغية هو التجسيد الأعلى للمناطق المظلمة في النفس البشريّة، وهو موضوع دراسات وكتب كثيرة في مجالات العلوم الإنسانية وكذلك في الأدب، منذ شكسبير وصولاً إلى زماننا الراهن، وخصوصاً في الأدب الأميركي اللاتيني، ومن هذا الأدب نذكر، على سبيل المثال، رواية "خريف البطريرك" لغبريال غارثيا ماركيز. السينما أيضاً استوحت من شخصيّة الطغاة المصابين بجنون العظمــة وبالنوازع الأكثـر غرابة ووحشيّة.
مع صعود الشعبويّة واليمين المتطرّف في أماكن عدّة، شرقاً وغرباً، ومع وجود نخب سياسيّة من طراز الذين يحكمون العالم اليوم، وتأزُّم الوضع الاقتصادي، وزيادة المخاطر الناجمة عن تهديد البيئة، لا يأتي الحديث عن الديكتاتوريين، كما في الكتاب الذي أتينا على ذكره، ليذكّرنا فقط بشيء مضى، وإنّما ليحذّرنا أيضاً ممّا قد يحدث في أيّ وقت، ومن أنّ الجمر كامن دائماً تحت الرماد. يذكّرنا أيضاً بأنّ استعمال التكنولوجيا الحديثة أصبح أحد أدوات الحكم. بإمكان سائر الدول اليوم أن تستخدم هذه التكنولوجيا على أكمل وجه. فالصين، مثلاً، لم تعد تحتاج إلى مخبرين في زوايا الشوارع بعدما أصبح الإنترنت والكاميرات المخبر الأوّل الذي تستخدمه الدولة لتراقب كلّ شيء ولتتقصّى كلّ خطـوة وكلّ حركة.يقول الشاعر الفرنسي بول فاليري الذي عايش مرحلة ازدهار الديكتاتوريّات: "الديكتاتوريّة مُعدية الآن، كما كانت الحرّيّة ذات يوم". صحيح أنّ العالم لا يعيش في هذه اللحظة حروباً عالميّة كالتي حصلت في القرن العشرين، لكنّ البشريّة تجد نفسها على فوّهة بركان، لا سيّما أنّ أسياد العالم لا يحرّكهم إلاّ صراع القوّة والنفوذ لا التحديات المصيريّة التي تواجهنا جميعاً. ونراهم يتعاطون مع الكرة الأرضيّة كما فعل الديكتاتور في فيلم شارلي شابلن حين أمسك بمجسَّم صغير لها وراح يتلاعب به ويقذفه في الهواء بيديه وقدميه.