لا يبدو أن لبنان سينتقل إلى الحلول السياسية قريباً، في السباق المحموم بين المزيد من التدهور وبين إحداث اختراق ما في أزمة الفراغ الرئاسي.
فالساعون إلى حد أدنى من التوافق على رئيس الجمهورية لم يحققوا ما يسمح بتوقع مفاجآت حتى يتم تغيير الصورة الحالية. على العكس من ذلك، فإنّ انحلال المؤسسات الواحدة تلو الأخرى المتواصل، على صعيد الخدمات الأساسية، يتمّ وفق خط تصاعدي يقضي على الآمال بإمكان استعادة الحد الأدنى المطلوب منها، من الطبابة والاستشفاء، إلى التربية والتعليم، والنقل والكهرباء، وصولاً إلى خدمة الاتصالات التي تشهد تراجعاً جراء إضراب موظفي وعمال «أوجيرو»، ما يزيد من أعباء الناس يومياً، أضعافاً.
الخزينة خاوية، والموارد شحيحة على رغم ارتفاع التعرفات في عدد من القطاعات، والتي لا تفي بالغرض لزيادة قيمة إيراداتها. فهي زيادات لا تلبث أن تتآكل نتيجة انعكاس هذا الارتفاع على الأسعار، من جهة، وانخفاض الاستهلاك بعد تصاعد الكلفة من جهة ثانية. هذا ما حصل بالنسبة إلى الكهرباء، والاتصالات وسائر القطاعات. ما إن يتمّ إرضاء قطاع ما حتى تفرض احتياجات قطاع آخر، الانتقال إلى زيادة مداخيل العاملين فيه على سائر المسؤولين، وسط صراخ القوى السياسية بضرورة إنصاف من يقومون بالتحركات المطلبية، لإرضاء «الناخبين»، ولو تطلب الأمر المس بأموال مصرف لبنان. يغرق الناس في دوامة العوز والفقر. وحين يتقرر الإنفاق على زيادة الرواتب، يعود القيمون على القطاع العام إلى الحلول التي تتطلب تصحيحها وإلى السؤال حول كيفية تأمين الأموال لهذا الغرض، تارة من الاحتياطي الإلزامي الذي يتراجع يومياً، أو من حقوق السحب الخاصة التي حصل عليها لبنان من مساهماته في صندوق النقد الدولي، والتي كان يفترض أن تخصص لمشاريع الكهرباء وشبكة الأمان الاجتماعي والتربية.
إلا أنّ ألعاب الجمباز النقدي التي يمارسها مصرف لبنان، تشمل مع نهاية كل شهر اعتماده على السوق السوداء من أجل شراء الدولارات لدفع الرواتب، فيساهم بالارتفاعات الصاروخية لقيمة الأوراق الخضراء، التي تعود فتنخفض بعد انتهائه من جمع المبلغ المطلوب، لكنه يكون استنزف بتلك الارتفاعات الشهرية للدولار القدرة الشرائية للرواتب التي سعى إلى تأمينها عبر هذه الألاعيب، كمن يلحس المبرد.
الحلقة المفرغة، حيث لا ضوء يلوح في النفق يطلق آمالاً بالخروج منها، على مستوى الأزمة السياسية، تزيد قتامة التوقعات. لذلك يشبه تشبث البعض بالمراهنات على هذا الاجتماع أو ذاك في الخارج، التعلّق بحبال الهواء، فضلاً عن أنه يفتح الشهية على حلول وهمية في الكثير من الأحيان، وعلى خيال واسع في التكهنات، تسقط في عثراتها وسائل إعلام. بالموازاة يتلهى بعض من يتبوأون المسؤولية بالقرارات العشوائية والعبثية مستفيدين من انصراف الناس عنهم نحو أحوالهم اليومية، على غرار ما حصل في قضية التوقيت الصيفي والشتوي، وفي مسألة تلزيم المبنى الجديد في مطار بيروت، فيُجبرون على العودة عن قراراتهم التي لا تبشّر بأنّ رجال الطبقة السياسية تعلّموا من فضائح السنوات الماضية وآثارها المدمرة، ومن التفرد في ممارسة السلطة، للإقلاع عنها. البعض يتصرف على قاعدة «جاء دورنا». والعجب أن يتباكى هؤلاء للإيحاء بأنهم تعرضوا للظلم فيتمسكنون أمام الرأي العام فيما ادعاؤهم العفة والقرف من ممارسة السلطة، ومن إغراق البلد في الآتون الطائفي يهدف إلى تبرئتهم من التسبب بإشعاله، أو من شبهة ارتكاب المعاصي الطائفية والسياسية والإدارية والقانونية. بعض النافذين يتصرّف مثل تجار الموت والمآسي، الذين يقتنصون الفرص من أجل الانقضاض على فريستهم وهي مهيضة الجناح، أي على ما تبقى من مؤسسات وقطاعات لمواصلة النهب والتسلط على القرار. وبعض الخارج يغض الطرف أو يشاركهم، لغايات مشابهة. في وقت باتت أكثرية اللبنانيين تسلّم بأنّ أقصى ما يمكن أن يطمحوا إليه من وراء إنهاء الفراغ الرئاسي، وبدء انتظام المؤسسات الدستورية، هو ولوج مرحلة انتقالية بين الانهيار الذي يعيشونه وبين صيغة للحكم تتيح التعايش مع تراجع معيشتهم في بلد لم يعودوا يعرفونه، إلى حين الحلول الكبرى، لا يبدو أنّ لدى المسؤولين عن المخارج من الجمود في الأزمة السياسية، التي هي أصل كل المآسي، سوى إطلاق الشعارات الرنانة حول رفض فرض الرئيس من الخارج، وحول وجوب توافق اللبنانيين لأنّ الحل داخلي، فيما هم ينتظرون الإشارة، كلٌ من خارجه.
في الوقت المستقطع ثمة من يقول إنّ إمكان عودة الزخم إلى الاحتجاجات في الشارع، وفق ما كان مخططاً له مطلع الأسبوع الحالي هو الذي يقف وراء افتعال ما شهده البلد من نبرة عالية للغرائز، من أجل الحيلولة دون ترجمة الغضب الشعبي الذي كان في إجازة على مدى السنتين الماضيتين، إلى تحركات منظمة. فضلاً عن أنّ ارتفاع الحمى الطائفية كما خبره البلد في الأيام الماضية يقطع الطريق على هذه التحركات، ويشكل مظلة لتمرير صفقات وموبقات بعضها انكشف، وبعضها الآخر قيد التحضير.