يدرك اللبنانيون واللبنانيات إهمالهم قضية المخطوفين والمفقودين قسراً إبان الحرب. وقد حفظوا إدراكهم هذا من خلال إيداعه في الضمير.
لم يفعلوا ذلك بإرادتهم، أو على نحو متعمّد وواعٍ. فُرض عليهم ذلك، في ظروف صعبة، عندما أُعلن وقفُ الاقتتال، وعندما أقرّت قوى النظام الجديد، آنذاك، برعاية إقليمية ودولية، العفو العام عن الجرائم والارتكابات، بل عن مرتكبيها. وكان اللبنانيون، آنذاك، متعبين من الحرب التي خسروا فيها كثيراً، ولعلّهم عدّوا المخطوفين والمفقودين قسراً ضمن ذلك الكثير الذي لم يتسنّ لهم البكاء عليه وإحصاءه. كانوا متلهّفين للسلم ووعوده. ووقفت القوى التي تصارعت في الحرب واتفقت على وقف الاقتتال ضد فتح صفحات الماضي الأسود. ولولا آلام أهالي المفقودين وإصرارهم على متابعة القضية، مع قلّة ممن يؤمنون بحقوق المفقودين بالحياة والحرية وبضرورة معالجة الماضي وآلامه من أجل الحاضر والمستقبل وبناء الدولة، لكانت المأساة مُحيت من الذاكرة والضمير معاً. ولولا أن المخطوفين والمفقودين قسراً إبان الحرب ليسوا من المناطق والمكوّنات كلّها لكانت القضية اليوم، مثل غيرها، في البازار الطائفي.
وبعدما حوصرت قضية المخطوفين والمفقودين واُهملت، صارت معرفة المواطن والمواطنة بها مهمّة بحد ذاتها. وهذه مأساة وطنية وإنسانية، ودليلٌ آخر على أن ما بعد وقف الاقتتال لم يكن ورشة حماية وطن ومجتمع وصوغ وطنية وبناء دولة ومواطنة.
هذه حقيقة علينا، نحن اللبنانيّات واللبنانيين، أن نواجهها، لا من أجل تقاسم الألم المنسي مع أهالي المخطوفين والمفقودين فحسب، بل إذا ما كنّا نريد حماية وطن ومجتمع، وإذا ما أردنا صوغ وطنية ديمقراطية وبناء دولة عادلة ومواطنة واعية ومطمئنّة.
ومرّة أخرى، يدرك أهالي المخطوفين والمفقودين، والقلّة التي معهم، أهميّة فعلهم وضرورته، وصعوباته الناتجة من حصار قوى السلطة لقضيتهم وإهمالها من جانب اللبنانيين واللبنانيّات. وفيما يناضلون من أجل حقّهم في معرفة مصائر المخطوفين والمفقودين، تراهم يستشعرون القلق على معرفة اللبنانيات واللبنانيين بقضيّتهم. وهو قلق لا ينفصل عن القلق الكبير على البلد والإنسان فيه، وعلى الوطنية والدولة والمواطَنة المرتجاة.
أهالي المخطوفين والمفقودين يسعون إلى الحفاظ على قضيّتهم، فماذا عن قيام الدولة والمجتمع بواجبهما تجاه القضية؟
أهالي المخطوفين والمفقودين متروكون وحيدين مع صور أحبّائهم ومآسي الفقد التي أُضيفت إليها صعوبات وتعقيدات حياتية وإدارية. والمعرض الذي نظّمته لجنتهم، ما بين 16 و26 آذار، ينتسب إلى هواجس نسيان القضية. فهو ليس احتفالاً بذكرى أربعين عاماً من النضال لمعرفة مصائر المخطوفين والمفقودين (والانتباه إلى هذا الزمن يزيد الألم)، إنما هو، كما تقول محتوياته (إنفوغرافيك وتجهيزات: 355 وثيقة و150 محطّة وصور مخطوفين ومفقودين)، لإبقاء القضية أمام اللبنانيات واللبنانيين. فالمعرض الذي يستخدم تقنيّات معاصرة درسٌ طويلٌ من ألم الفقد والنضال، لكنه أيضاً درس حريصٌ على مخاطبة الأجيال الجديدة، وتعريفها بمآسي الحرب وأثمانها، من خلال ناس أخفتهم الحرب ونسيهم السلم.