حسان الزين

الزواوي بغوره نشاط فلسفي أصيل

9 دقائق للقراءة
انطلق الزواوي بغوره من زاوية لتعليم القرآن

يجمع الزواوي بغوره البحث الأكاديمي والترجمة. ويقدم نموذجاً متيناً لهذا الجمع. فهو ليس مترجماً انطلاقاً من معرفته بلغتين (العربية والفرنسية) فحسب، بل من معرفة عميقة واختصاص بالموضوع، وهو الفلسفة الحديثة عموماً والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو خصوصاً. وفي المقابل، أسس بحثه على رصيد علمي معرفي كوّنه بالشغف أولاً وبالدراسة والتحصيل العلمي في بلده الجزائر ثم فرنسا ثانياً، وبعمله ومواكبته للمختبر الفلسفي في العالم ثالثاً.

بات الزواوي بغوره، الغزير الإنتاج، واحداً من أبرز العاملين في الشأن الفلسفي والترجمة في العالم العربي. وهو بصفته هذه أنتج عدداً من الكتب، تأليفاً وترجمة، وراجع عدداً من الكتب المترجمة لا سيما من مكتبة فوكو وأرشيفه اللذين لاحقهما واطلع على المنشور منهما وغير المنشور. وآخر الترجمات التي راجعها بغوره "المجتمع العقابي، دروس أُلقيت في الكوليج دو فرانس (1972- 1973)" الذي نقله إلى العربية نصير مروة، وصدر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات".

مدرسة فلسفية

يذكّر بغوره بكبار مدرسة عربية معاصرة في جمع البحث والاختصاص الأكاديميين والترجمة، لا سيما في الفلسفة. ومن هؤلاء عبد الرحمن بدوي، الذي تداخل في الكتب التي حملت توقيعه (نحو 150) التأليف الفلسفي والترجمة، من "مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية" (وقد عدّل العنوان ليغدو "مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة") إلى أطروحته لنيل الدكتوراه عن الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، مروراً بكتبه عن الفلسفة اليونانية والوجودية وهيغل وشوبنهاور، وغيرها كثير. وتلميذه في التأليف الفلسفي والترجمة المدمّجة إمام عبد الفتاح إمام. وزكي نجيب محمود الذي ألف في الفلسفة والمنطق الوضعي و"خرافة الميتافيزيقا" ودعا إلى "فلسفة علمية"، وترجم برتراند راسل وغيره وأشرف وراجع العديد من الترجمات. وموسى وهبه الذي تخصص بالفيلسوف عمانوئيل كنط وترجم له "نقد العقل المحض"، إضافة إلى اشتغاله في الفلسفة وتعليمها. وجورج زيناتي الذي ترجم العديد من عمدة المؤلفات الفلسفية الأوروبية، في مقدّمها "الذاكرة، التاريخ، النسيان" و"الذات عينها كآخر" للفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وفي الوقت نفسه عمل وألّف في الفلسفة: "الحرية والعنف"، "رحلات داخل الفلسفة الغربية"، والفلسفة في مسارها" وغيرها. ومطاع صفدي الذي ألف في الفلسفة وترجم وأشرف على العديد من الأعمال أبرزها "الكلمات والأشياء" لفوكو، إضافة إلى المشرعات الفلسفية والمطبوعات المتخصصة ومنها "العرب والفكر العالمي"، وأبو يعرب المرزوقي وسالم يفوت وعبد السلام بن عبد العالي وحسن قبيسي ونظير الجاهل وفتحي التريكي وفتحي المسكيني، وآخرون كثيرون.

ومثل العديد من هؤلاء، يمتّن بغوره تأليفه البحثي الفلسفي بالترجمة الناتجة من إطلاعه ومواكبته المنتج العالمي، وفي الوقت نفسه يخصّب فعل الترجمة بتخصّصه وتعمّقه الأكاديمي الفلسفي. وهذا ما يقرب ترجمات بغوره، التي يحرص خلالها على "عدم التنافر بين النص الأصلي والترجمة"، من أن تكون ترجمات "تأصيلية" وليست "ترجمة تحصيلية" أو "توصيلية"، وفق تعبير الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن (فقه الفلسفة). وهذا ما يجعل بغوره في طريقه إلى حجز كرسي بين المفكّرين والأكاديميين المشتغلين في الفلسفة عربيّاً.

من "أهل البدع" إلى فوكو


في زاوية تعليم القرآن والعلوم الدينية التي تشرف عليها عائلته منذ القرن التاسع عشر (سيدي عبد القادر الجيلالي)، بدأت رحلة بغوره مع الفلسفة. آنذاك، ترددت على مسمعه عبارة "أهل البدع". لكن، وبدلاً من أن ينساق بغوره، الطفل، مع المعنى السلبي المستعمل لتلك العبارة، فيمقت "أهل البدع" ويبقى على "الصراط المستقيم"، أثارت لديه حشرية لمعرفة من هم. إلى أن سمع من أحد الأئمة أنهم "المعتزلة، أهل العقل". ويروي بغوره أنه مذ ذاك يحاول جاهداً أن يتبينها، "وما كان بالإمكان تبيانها إلَّا بالانخراط في الفلسفة التي أقبلت عليها في الثانوية، واخترتها في الجامعة، وفضّلت أن أضحّي بسنة دراسية كاملة من تكويني الجامعي في انتظار افتتاح قسم الفلسفة في جامعة قسنطينة في عام 1981، وذلك لأنَّ القسم الوحيد للفلسفة كان في جامعة الجزائر في ذلك الوقت".

لكن بحثه عن "أهل البدع" لم يأخذه، في مساره الأكاديمي، إلى الماضي و"العودة إلى التراث" كما كان شائعاً عربيّاً ومغاربياً، بقيادة المفكّرين محمد عابد الجابري (المغرب) ومحمد أركون (الجزائر). فقد توجّه خلال مرحلة الماجستير نحو الفلسفة المعاصرة، تحت تأثير أستاذه كلود برنار، الذي أقنعه بأن "البحث في فلسفة فوكو يمر حتماً عبر دراسة البنيوية عند مؤسِّسها كلود ليفي ستروس". فدرس "المنهج البنيوي عند كلود ليفي ستروس ولوسيان صيباغ وموريس غودولييه" (1986- 1987).

وعلى رغم دراسته العالية تلك، واجه بغوره، أثناء إعداده دراسة عن مفهوم البنية عند فوكو، "صعوبة شديدة" في قراءة كتاب "الكلمات والأشياء". لكنه لم يستسلم، بل عمل بقاعدة "إن خفت من شيء قع فيه"، إذ قرر أن يتخصص بفوكو في مرحلة الدكتوراه. وهذا ما كان. وناقش أطروحته في 1996.

بعد ذلك، ارتبط اسم بغوره بفلسفة فوكو وترجمتها. فألف عنه: "الخطاب بحث في بنيته وعلاقاته ومنزلته في فلسفة ميشيل فوكو"، "التنوير والثورة- دراسة وترجمة لموقف ميشيل فوكو"، "مدخل إلى فلسفة فوكو". ومما ترجمه له: "تأويل الذات" و"يجب الدفاع عن المجتمع" و"ما التنوير" و"حكم الذات وحكم الآخرين" (جزءان)، و"معجم ميشيل فوكو" لجوديت ريفال.

تبسيط الفلسفة

يعتبر بغوره أن الفلسفة بدأت منذ نقدية كانط تعمل جاهدة على تشخيص حاضر الإنسان وظروفه. ولهذا فإن مؤلفاته وثيقة الصلة بالواقع العربي واللحظة العالمية. ويلفت إلى أن للفلسفة في ثقافتنا العربية وقعاً خاصاً، إذ تلفها أحكام سلبية كثيرة، وتعاني من مواقف جاهزة، ومنها الزعم بتعقد لغتها ومصطلحاتها وعباراتها، مقارنة بالفروع العلمية الأخرى. ويدعو إلى قدر من التبسيط الذي لا يخل بالمعنى الأساسي، مشيراً إلى أن "هذه عملية ليست يسيرة أو هينة، ولكنها مهمة ضرورية يجب القيام بها، وبخاصة من الذين يؤمنون بالدور الاجتماعي للفلسفة". وينتقد "عملية ترويج الرأي القائل إن المواطن العربي مناهض للفلسفة بحكم تكوينه الديني". ويضيف: "لا خلاف في أن هنالك توجهاً دينياً محافظاً يعمل على تعزيز هذا العداء والنفور".

ويقول بغوره: "أتوقف في تدريسي الجامعي كثيراً عند المصطلحات، وأطروحتي المنشورة تضمنت معجماً بكل المصطلحات ذات العلاقة بالخطاب والتاريخ. وتجدر الملاحظة إلى أنه إذا كان تعليم الفلسفة في البلدان الغربية يهتم بهذا الجانب، أقصد المعاجم والقواميس والموسوعات الفلسفية، بحيث يمكن القول إن الباحثين قد خصصوا لكل فيلسوف غربي في القديم والحديث معجماً، فإنَّنا في العالم العربي ما زلنا نواجه نقصاً كبيراً في هذه العناصر الثلاثة، على رغم ما يبذله الباحثون والمترجمون العرب من جهود.

أعماله

بات لدى بغوره، الذي يفصل بين الترجمة كنشاط مستقل والتأليف كنشاط خاص أيضاً، العديد من الأعمال، ومنها:

في التأليف: "السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية"، "الإسلام والحكم- دراسات في المسألة السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر"، "الشمولية والحرية - دراسات في الفلسفة السياسية والإجتماعية المعاصرة"، الفلسفة واللغة- نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة"، "الهوية والتاريخ- دراسات فلسفية في الثقافة الجزائرية والعربية"، "الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل"، "ما بعد الحداثة والتنوير- موقف الأنطولوجيا التاريخية- دراسة نقدية"، "الفلسفة واللغة- نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة".

في الترجمة: "الثورة الرقمية، ثورة ثقافية؟" لريمي ريفيل، "درس القرن العشرين" (جزءان) لكارل بوبر، "الحداثة والأخلاق" لتشارلز لارمور، "مدخل إلى الفلسفة المعاصرة" لمارك لوني.

إضافة إلى العديد من المقالات المتخصصة.



اللغة والتعددية الثقافية 


تعمّق بغوره في بحث اللغة وعلاقتها بكلٍّ من الفلسفة والسلطة. فألف في المحور الأول "الفلسفة واللغة: نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة"، ويرصد فيه تحول الفلسفة في القرن العشرين إلى فلسفة لغوية، مستخلصاً أن ذلك لا يقتصر على الفلسفة التحليلية أو الأنغلوسكسونية كما هو شائع وإنما أصاب كذلك الفلسفة الأوروبية بتياراتها المختلفة، وخصوصاً التيارين التأويلي والبنيوي. ويحلل الكتاب هذه التيارات المختلفة وينقدها ويلقي الضوء على التحولات التي عرفها المنعطف اللغوي ذاته، وينتقل بعد ذلك إلى الكشف عن التوجهات الجديدة في فلسفة اللغة المعاصرة.

وفي المحور الثاني ألف "اللغة والسلطة"، وهو أبحاث نقدية في "تدبير الاختلاف وتحقيق الإنصاف"، ويقدم فيه مقاربة نقدية للغة انطلاقاً من التداولية الخطابية التي ترى في الخطاب شكلاً من أشكال الممارسة الاجتماعية.

ويربط بغوره الترجمة بالتعددية الثقافية في العالم. وفي هذا الشأن له مساهمات عديدة تظهر ليس مواكبته للمنتج في هذا المجال فحسب، بل إشتغاله لإنتاج البعد الفلسفي للترجمة وللعلاقات بين الشعوب والأفراد والحضارات واللغات. وفي هذا الإطار تندرج ترجمته كتاب "فلسفات التعدُّدية الثقافية".

ويروي بغوره أن كتاب "الاعتراف- من أجل مفهوم جديد للعدل"، "شكَّل تحولاً في كتاباتي الفلسفية، وحدَّد، بطريقة ما، وجهتي الفلسفية. فقبله كنت مهتماً بفوكو ترجمة وتأليفاً، وبعده انتقلت إلى مسائل الفلسفة السياسية والأخلاقية والاجتماعية، وأحاول تقديم تحليلات نقدية لبعض المسائل المطروحة على فكرنا العربي المعاصر، ومنها قضية اللغة، واللغة العربية تحديداً. وهذا ما درسته في كتابي "اللغة و السُّلطة". فإذا كنت قد انتصرت في كتابي "الفلسفة و اللغة" إلى النظرة الوظيفية للغة عموماً، وللتداولية خصوصاً، فإنَّني ناقشت في هذا الكتاب المسألة السياسية في اللغة في ضوء العدالة اللغوية التي تعني من بين ما تعني احترام التنوع والتعدد اللغوي".