مسلسل The Night Agent (العميل الليلي) على شبكة "نتفلكس" مقتبس من رواية للكاتب ماثيو كيرك، وهو من توقيع الكاتب والمنتج الأسطوري شون راين. إنه عمل متماسك وقوي، فهو لا يهين ذكاء المشاهدين عبر حبكات متراكمة، بل يُركّز على حبكة محورية ويطورها حتى النهاية.
يبدأ المسلسل بحدثٍ مثير. يكون عميل مكتب التحقيقات الفدرالي "بيتر ساذرلاند" (غابريال باسو) على متن قطار حين يشاهد شخصاً يترك حقيبة وراءه قبل خروجه. عندما يتحقق من الحقيبة، يجد فيها قنبلة فيضغط على فرامل الطوارئ وينقذ حياة الناس عبر إخراج الركاب من القطار قبل انفجار القنبلة. لكن سرعان ما يعتبرونه مُشتبهاً به في تلك العملية، فيتم تخفيض رتبته إلى عمل مكتبي بسيط حيث يراقب هاتفاً لا يرنّ مطلقاً. يتواجد "بيتر" في مكتب "العمل الليلي"، ما يعني أنه يجلس أمام هاتف لساعات كل ليلة ثم يعود إلى منزله. لا يُستعمَل هذا المكتب إلا في حالات الطوارئ القصوى، حين يعجز عميل آخر عن التواصل مع رئيسه أو يخشى التعرّض للمخاطر. لا يتوقع "ساذرلاند" أن يرنّ الهاتف إذاً، لكنه سيرنّ طبعاً.
على الطرف الآخر من القصة، سنتعرّف على المديرة التنفيذية السابقة "روز لاركين" (لوسيان بوشانان) التي تحصل على رقم ورمز من عمّها وعمّتها للاستعانة بـ"ساذرلاند". سرعان ما تكتشف أن أقاربها ليسوا من سكان الضواحي العاديين. حين يخبران "روز" بأنهما ذاهبان في رحلة سياحية، يتبين أنهما في مهمّة خاصة وقد عادا للتو من قضية فساد استثنائية تصل إلى عمق البيت الأبيض. هما يقعان في المشاكل ثم يُعدِمهما القاتلان "ديل" (فينكس راي) و"إيلين" (إيف هارلو). تشاهد "روز" وجه "ديل"، ويدرك "ساذرلاند" أنه يحتاج إلى حمايتها مما أصاب أقاربها، فيقرر مرافقتها ويقصد حليفته المقربة في البيت الأبيض "ديان فار" (هونغ تشو المرشّحة لجائزة أوسكار). هل يمكنهما حماية "روز" ومعرفة ما اكتشفه أقاربها؟ وما علاقة هذا الاكتشاف بقنبلة القطار التي أوصلت "ساذرلاند" أصلاً إلى هذه المعمعة كلها؟
بعد مرور بعض الحلقات، تظهر حبكة موازية عن ابنة نائب الرئيس "مادي" (سارة ديجاردان). تتولى عميلة صارمة اسمها "تشيلسي أرينغتون" (فولا إيفانز أكينغبولا) حماية أمنها، إلى جانب العميل الجديد "إيريك مونكس" (دي بي وودسايد) الذي يتلقى رصاصة لمنع عملية اغتيال ويستأنف مسيرته المهنية بمهمة بسيطة ظاهرياً تقتصر على حماية طالبة جامعية. لكن لن تكون هذه العملية سهلة بقدر ما يتوقع طبعاً. حين تصبح "مادي" مستهدفة، تجمع التطورات بين "أرينغتون" و"ساذرلاند" لتقديم أحداث متفجرة في الحلقات الأخيرة.
يُعتبر هذا المسلسل نموذجاً مثالياً حول كيفية التعامل مع خطوط سردية متعددة في قصص التشويق والتجسس. من جهة، سنشاهد قصة صمود من خلال حماية "روز" ثم "مادي" والتفوق على من يحاول قتلهما. ومن جهة أخرى، سنشاهد قصة غامضة وراء إعدام أقارب "روز" وما يريده الأعداء من "مادي". كيف يستطيع "ساذرلاند" التعمق في هذه المسألة الشائكة التي ترتبط بأهم المناصب الحكومية، وما الذي يمكنه فعله لإنقاذ "روز" من الموت في الوقت نفسه؟ يعدّل راين وفريق الكتابة الذي يتعاون معه أحداث كل حلقة للتوفيق بين مختلف عناصر العمل، فيعرضون تفاصيل عن خلفية هذه الشخصيات تزامناً مع تقديم مغامرة مدهشة.
يستفيد العمل من قوة ممثليه على جميع المستويات. توقّف باسو عن تقديم شخصيات الشبان الأصغر سناً، وهو يجسد هذه المرة دور رجل راشد وناضج. هو يجيد تقديم نسخة معاصرة من العميل الشهير "جاك بوير"، فينجح في إقامة التوازن المناسب بين رزانة العاملين في مكتب التحقيقات الفدرالي وشخصيته التي تجمع بين الشغف والمبادئ الأخلاقية. تقف في وجهه شخصية بوشانان المختلفة، ما يضمن توازناً مثالياً للشخصيات، ويستفيد المسلسل أيضاً من الكيمياء القوية التي تجمعهما. أما إيفانز أكينغبولا، فهي تجيد التوفيق بين التزامها بواجباتها والشكوك التي تحملها تجاه الآخرين وتأخذ عملها على محمل الجد. يشمل طاقم الممثلين الثانويين خيارات مثيرة للاهتمام أيضاً، بما في ذلك القاتلان الغريبان "ديل" القوي والصامت و"إيلين" غير المألوفة.
قد لا يحقق المسلسل النجاح بقدر أعمال أخرى تدخل في الخانة نفسها، لكنه يستحق المشاهدة. قد يحبذ الجميع أعمالاً مميزة مثل Barry و The Last of Us(آخر واحد منا)، لكن يحتاج الفرد أحياناً إلى مشاهدة قصص مشوقة بسيطة عن الأخيار والأشرار وشخصيات تحمل الصفتَين معاً.