غادة حلاوي

"التحويلات" تتفاعل: جلسة ثانية غداً وابراهيم يريد كشف المستور

5 دقائق للقراءة
لمجرد أن يُخضِع القضاء المصارف للمساءلة فهذه بحدّ ذاتها سابقة

مشهد يستحق المتابعة من ناحية كونه يخفف عن الناس جزءاً من معاناتها مع المصارف. كان حرياً بالمواطن الذي وقف عند أبواب المصارف مستعطياً جزءاً ولو يسيراً من راتبه ليؤمن قوت عياله، أن يراقب أصحاب المصارف كيف ضاقت بهم مقاعد قاعات الانتظار لدى القضاة، لحظة بدأوا يتوافدون منذ السابعة والنصف صباحاً للتحقيق معهم. ساعات أمضاها 14 صاحب مصرف أمس أمام القضاء ومن تبقى منهم سيمثل غداً الأربعاء... وحبل المحاسبة على الجرار.إذ وبينما أنهى النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم والمحامون العامون الماليون، الاستماع إلى إفادة رئيس جمعية المصارف سليم صفير ورؤساء مجالس الادارة وممثلين عن 14 مصرفاً حول تحويل الأموال إلى الخارج، يُتوقع أن يشهد هذا الملف مزيداً من الخطوات التي يمكن أن تكشف الكثير من الحقائق المتعلقة بملف التحويلات والاجراءات التي اتخذتها المصارف وأسبابها. للمرة الاولى وضعت المصارف أو من يمثلها قيد التحقيق والمساءلة حول التحويلات المالية وقوننة السحوبات للمودعين. جلسة استماع أولى خاضها القاضي ابراهيم ستستتبع بجلسات مقبلة وسريعة لإصراره على عدم اقفال الملف لأي سبب من الأسباب، فضلاً عن ملف مالي مفصّل ينوي "التيار الوطني الحر" وضعه بتصرف القضاء المالي خلال الايام القليلة المقبلة.

من الناحية القضائية، كانت جلسة الاستماع "مفيدة إلى حد ما لناحية التعرف على آلية عمل المصارف قبل تاريخ السابع عشر من تشرين وما بعده، والإجراءات التي اتخذت واسبابها الموجبة وكيف طبّقت المصارف capital control على المودعين، والسماح بتحويل الاموال الى الخارج والاستراتيجية التي اتّبعت، فضلاً عن الهيكلية المالية التي أعدها مصرف لبنان".

وأبلغت مصادر قضائية "نداء الوطن" أن جلسة ثانية ستعقد الأربعاء (غداً) للاستماع إلى باقي المصارف، ومن السابق لأوانه الحديث عن نتائج معينة بعد وأن جلسات طويلة عقدت، استمرت ما بين ساعة إلى ساعتين ونصف الساعة مع ممثلي المصارف، ما يعني أن الامور تسير وفق ما يتوجب". وتابعت: "لمجرد أن يُخضع القضاء المصارف للمساءلة فهذه بحد ذاتها سابقة". واذا كانت جلسة الأمس لم تحقق نتائج ملموسة بعد "غير أن مسار التحقيق وما سيكشف خلاله قد يدفع القضاء إلى اتّخاذ خطوات قضائية معينة في هذا الصدد". ومن ناحيتها بررت المصارف سلوكها بالقول إن غياب الدولة وعدم تدخلها لتلافي الأزمة عند وقوعها دفعها إلى التحرك. وتعتبر أن اجرءات قوننة الدفع للمودعين حالت دون الإنهيار المالي الكبير، لأن الأمور لو تركت من دون أن تحدد سقفاً للسحوبات، لكان المودعون سحبوا كل اموالهم وحصلت الكارثة. ولا تعتبر المصارف انها ارتكبت مخالفة للقانون، طالما أن لا مواد في القانون اللبناني تنص على منع المودعين من تحويل أموالهم، أو تسمح لأصحاب المصارف بكشف اسماء المحولين والتي يمكن للنيابة العامة التمييزية الحصول عليها.

لكن مصادر سياسية شككت في "امكان الخروج بنتائج ملموسة"، وقالت إن "الملف فتح لأسباب سياسية سببها ضغوط الشارع ورغبة الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر". وتابعت: "لا جريمة من دون نص والاشكالية الوحيدة هي في انعدام العدالة بالتحويل لأشخاص بينما نحدد للمودع سقف سحوباته، غير أن لا نص في القانون بالعدالة، فضلاً عن أن عمل المصارف الداخلي كان مستمراً والعمليات الداخلية كانت قائمة". المصارف على قناعة أن اجراءاتها لناحية قوننة السحوبات جنبت لبنان الكارثة، وأن دولاً خارجية استغربت كيف أن لبنان لم يسقط مالياً بعد، رغم الازمة العميقة التي تواجهه والسبب هو الاجراءات الوقائية للمصارف.

نجم حرّكت الملف

لكن ثمة من لم يقتنع بتبرير المصارف والسماح لها بتحويل الأموال خلال فترة الحراك في السابع عشر من تشرين. وجزمت مصادر متابعة أن تحريك الملف جاء على خلفية طلب وزيرة العدل ماري كلود نجم منتصف الشهر الماضي من النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، التوسع في التحقيق بكل التحويلات المالية من لبنان الى الخارج، كما طالبت هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، بتزويد عويدات بكل ما تملك من معلومات عن كل التحويلات المالية من لبنان الى الخارج، على أن يشمل التحقيق عمليات التحويل كلها ابتداء من الأول من شهر تموز 2019. ولذا فإن فتح الملف لم يكن بناء على طلب أي من القوى السياسية، واذا كانت المصارف تصر على حماية ذاتها بعدم كشف الاسماء فثمة من يصر على كشف المستور، خصوصاً أن القاضي ابراهيم في نية السير حتى النهاية في المعطيات المتوافرة لديه.

وذكّر مرجع دستوري بقانون النقد والتسليف الذي ينص على أن "مرجعية السلطة النقدية هي الحكومة وبالتالي لا أسرار يمكن طمسها عن السلطة التنفيذية". وتابع أن "النيابة العامة المتمثلة بالنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات وبناء على طلب وزيرة العدل بحكم صلاحياتها الدستورية بالتواصل مع النيابات العامة، حركت النيابة العامة في موضوع التحويلات المالية، لا بل ذهبت أبعد من 17 تشرين فطلبت التوسع في التحقيق ليشمل كل العمليات من مطلع تموز 2019".

في المقابل، فإن "التيار الوطني الحر" وانطلاقاً من كتلته النيابية وحيث ان مجلس النواب هو أهم السلطات، وجّه كتاباً إلى هيئة التحقيق في مصرف لبنان يطلب فيه إعلام مجلس النواب بمصير التحويلات، وهل صحيح انها حصلت بعد 17 تشرين وعن طريق المصارف، في وقت كانت تقفل هذه المصارف ابوابها امام المودعين؟ وإذا حصل يعد خرقاً لمبدأ المساواة بين المودعين، أي بين صاحب رأس مال ومتمول تمكّن من تحويل أمواله، ومواطن يقف على باب المصرف ولم يتمكن من سحب امواله. وبعد فترة طويلة ردّ حاكم مصرف لبنان على "التيار" بجواب لم يره الأخير شافياً، لذا سينتقل "التيار" الى المساءلة القانونية بخصوص المعلومات المتوافرة، وسيقوم بخطوة يضع خلالها الجميع أمام مسؤولياته بما فيه القضاء وحاكمية مصرف لبنان، وهذا ما سيكشف عنه في الآتي من الأيام.