هل ما زال الفرقاء اللبنانيون الذين راهنوا على أن يشمل اتفاق بكين بين المملكة العربية السعودية وإيران في 10 آذار الماضي على استئناف تبادل السفراء، الحلول لأزمة لبنان، يحتاجون إلى براهين أكثر من التي أثبتتها أحداث الشهر المنصرم، بأنّ البلد هو آخر الملفّات التي يمكن للدولتين التطرّق إليها؟
من كلام الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله، بأنّ كلمة لبنان لم تُلفظ خلال اجتماع بكين الأول، إلى خلوّ تصريحات المسؤولين في كلّ من طهران والرياض من أي إشارة إلى لبنان في سياق حديثهم عن تطبيق الاتفاق، وصولاً إلى تفاصيل موقعة إطلاق الصواريخ من سهل القليلة على إسرائيل، وما رافقها من تصعيد كلامي وعسكري محدود ومدروس خلال زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» اسماعيل هنية بالتزامن مع زيارة قائد «قوة القدس» اللواء اسماعيل قاآني إلى بيروت ودمشق... كلّها وقائع تؤكّد أن «الساحة» التي يشكّلها البلد ما زالت تحت نفوذ إيران، وله وظيفة استخدام في سياق الصراع الذي تخوضه مع الولايات المتّحدة وإسرائيل.
لم يكن من مفاعيل لاتفاق بكين على لبنان سوى تلك المتعلّقة بإجراءات مطلوبة من الجانب الإيراني لعلاقتها بالحرب الدائرة في اليمن، فجرى على ذمّة أكثر من مصدر سياسي ورسمي إقفال محطتّي البثّ التلفزيوني التابعتين للحوثيين، «المسيرة» و»الساحات» ومحطة أخرى تابعة لمعارضين خليجيين... وثمّة من يقول إنّ بإمكان هذه المحطّات أن تبثّ من أي مكان.
حتى الحملات التي يفترض أن يكفّ عنها نصر الله ضدّ الدور السعودي في اليمن لم تتوقف كلّياً، وإن انخفضت حدّتها. فالأخير ما زال يصف السعودية ودول الخليج في اليمن بأنّها «دول العدوان» كما جاء في خطابه الأخير. ففي اليمن تكتفي طهران بالعودة عن ممارسة عدائيتها المكشوفة للمملكة وسائر دول الخليج، بعدما استفادت من استثمارها في الحوثيين لسنوات، وحولت أرضهم منصّة استهداف للاستقرار السعودي والإماراتي فتتخلى عن هذا الهدف لتترك للحوثيين أن يقطفوا ثمار التفاوض المباشر مع الرياض، ومع الحكومة اليمنية الشرعية. ففي الشقّ اليمني من مفاعيل اتفاق بكين، تحصل إيران على مقابل هو ضمان استقرارها الداخلي بالاستثمارات السعودية الموعودة، بعدما هزّته العقوبات الأميركية وأكلاف سياسات التوسّع الإقليمي.
أما العناوين الأخرى المتعلّقة بملء الفراغ الرئاسي في لبنان وهوية واسم رئيس الجمهورية المقبل والتركيبة الحكومية التي سترافقه، لانتشال البلد من مأزقه السياسي الاقتصادي، فهي أمور ليست مدار بحث بين البلدين اللذين أمامهما ملفّات قبل لبنان للبحث فيها، سواء في العراق أو سوريا، من دون أن ننسى فلسطين. ففي الأخيرة ما زالت طهران تستفيد من الغياب العربي شبه الكامل الذي يفسح في المجال لمتطرّفي الدولة العبرية أن يستفردوا بالشعب الفلسطيني مع غضّ نظر أميركي وأوروبي. بل على العكس لا ترى القيادة الإيرانية موجباً للتخلّي عن ورقة لبنان إذا كان لا بد من تسليمها الجزئي بالسعي الخليجي إلى تسوية داخلية في اليمن يحصل من خلالها حلفاؤها الحوثيون بالتفاوض على مكاسب ضمن صيغة لتقاسم السلطة هناك.
استخدام لبنان منصّة للردّ على استهداف إسرائيل وأميركا لوجود «حرس الثورة» والميليشيات التابعة لها في سوريا، ما زال حاجة ملحّة تتطلّب تمتين وجود «حزب الله» في السلطة، مع ما يستتبعه ذلك من إتاحة المجال لأذرع أخرى أن تساهم في هذه اللعبة الجهنمية على الساحة اللبنانية في إطار شعار «وحدة الساحات». وإذا تعذّر على طهران أن تأتي برئيس لا يكون مزعجاً لدور «الحزب» بإبقاء لبنان ساحة متاحة لها ولتلك الأذرع، مفتوحة على الساحتين السورية والفلسطينية، فهي ليست على عجلة من أمرها، إزاء بقاء الفراغ... إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
لبنان الساحة حاجة مهمّة للاستخدام، في سياق تبادل الضغوط مع أميركا، ليس فقط في شأن وجود الميليشيات الإيرانية في سوريا، بل لمقابلة الضغط الأميركي على دول الخليج لمنعها من الاستثمار في إيران نفسها، عبر وسيلة العقوبات المفروضة على أي جهة تتعامل اقتصادياً ومالياً مع إيران. وذريعة الاستخدام جاهزة ضد إسرائيل «ربيبة أميركا»، التي هدّد نصر الله بالتسبّب بالفوضى ضدّها، بعدما اتهم أميركا بالتسبّب بالفوضى عبر الحصار والتجويع في لبنان (والمقصود إيران).