لماذا يخاف الفشل؟

16 : 00

يرتكب الطفل الأخطاء كي يتعلم ويحرز التقدم بفضل قدرته الفطرية على الوثوق بنفسه. إنه وضع طبيعي حتى اليوم الذي نُلقّنه فيه الخوف من الفشل فنكبح بذلك تقدّمه. ماذا لو غيرّنا طريقة تعاملنا معه؟"وضع نبيل البالغ من العمر 15 شهراً مكعبين فوق بعضهما. وحين وضع المكعب الثالث، انهار البرج الذي يبنيه بالكامل. فحاول مجدداً. لكنّ البرج انهار من جديد عند وضع المكعب الثالث. فكرر المحاولة... وبعد محاولة فاشلة ثانية، سئم نبيل وغيّر اللعبة. ثم عاد إلى مكعباته بعد وقت قصير".

هل يشعر الطفل بأنه أخطأ أو أنه غير كفوء بما يكفي؟ على الإطلاق! بل إنه يريد بكل بساطة تثبيت المكعب الثالث فوق أول مكعبين، ولا ينجح في تحقيق ما يريده. نميل إلى تسمية هذه الفجوة بين الهدف المنشود والنتيجة المُحققة "الفشل". لكن بنظر الطفل، تكون هذه التجربة مثيرة للاهتمام وبنّاءة: هو يقوم بفعل معيّن، وهذا الفعل يعطي نتيجة منطقية، فيستخلص "درساً" يقوده إلى النجاح. بعبارة أخرى، يُعتبر الفشل أساسياً لتحقيق النجاح: هل نستطيع أن نتخيل طفلاً وهو يخطو خطواته الأولى من دون أن يقع عشرات المرات؟ لهذا السبب، يثابر الطفل دوماً، من دون أن يشعر بالإحباط، ويكتشف تدريجاً حجم قدراته الكامنة.


1- أوضحي له أهمية الفشل

يكتسب الطفل أولى معارفه في الحياة عبر هذه العملية المبنية على خوض التجارب وارتكاب الأخطاء. هو يحمل في داخله منذ ولادته اندفاعاً قوياً نحو المثابرة وتكرار المحاولات ومقاومة الإحباط وإحراز التقدم من دون الحاجة إلى تشجيعه. لا يحمل الفشل معنىً سلبياً بنظره، شرط ألا نرسّخ عمداً مشاعر الخيبة لديه.


2- شجّعيه على خوض التجارب بسعادة


بنظر الطفل الذي يبني برجاً بألعابه، يشكّل سقوط المكعبات جزءاً من النشاط الذي يقوم به. وحتى الطفل الذي يخطو خطواته الأولى يشعر بالمستوى نفسه من الرضى، سواء نجح في تجاوز المساحة وقوفاً أو وقع أرضاً: كل ما يهمه هو الفرح الذي يرافق التجربة التي يعيشها. لكن إذا تأفف أي شخص راشد أمامه حين يرفض متابعة المشي أو يوقع برج المكعبات، سيترسخ شعور الإحباط لدى الطفل لأنه لم ينجح في تحقيق هدفه، وهذا الشعور بالعجز قد يعيق مسار تعلّمه.


3- اسمحي له بقياس قدراته


حين تتدخلين خوفاً من وقوع الطفل وتساعدينه في محاولاته النزول عن الكنبة بعدما صعد عليها وحده، لن تسمحي بزيادة تقديره لنفسه. يجب أن تكوني إلى جانبه في هذه اللحظات طبعاً وتستعدي لالتقاطه عند الحاجة. لن يفرّط الطفل بنفسه بسهولة. لذا اتركيه يستكشف عالمه على طريقته، كي يُحدد ما يستطيع فعله ويطوّر الثقة بالنفس التي يملكها أصلاً منذ ولادته.



4- افهمي غضبه إذا لم ينجح


في عمر السنتين تقريباً، تتّسع الفجوة بين ما يبنيه الطفل في عقله وما تستطيع يداه الصغيرتان تنفيذه خلال النشاطات الحركية الدقيقة. هذا الموقف يولّد في داخله مشاعر من الإحباط والحزن، وهذا ما يفسّر نوبات غضبه حين يحطّم الأغراض التي يستعملها. لكن عندما يشعر بأنه محبوب وتعطيه علاقته مع والديه شعوراً عميقاً بالأمان، أو حين يشعر بالسعادة والحنان في عيون الراشدين من حوله، لن تؤثر هذه التجارب الفاشلة على مستوى تقديره لنفسه أو رغبته القوية في إحراز التقدم.


5- لا تتوقعي منه الكثير منذ مرحلة مبكرة


تزداد التوقعات التي ننتظرها من الطفل حين يكون في طور نموه. لكن قد تكون هذه التوقعات أحياناً مبكرة أكثر من اللزوم. إذا قلتِ له مثلاً، "جارك الصغير تخلى عن الحفاض وأنت لم تفعل بعد!"، سيشعر طفلك حينها بخيبة أمل كبيرة. وإذا لم يتمكن من التجاوب مع طلب أحد الراشدين، قد يشعر بأنه لا يتماشى مع محيطه أو أنه ليس "بارعاً" بما يكفي. هذه المشاعر تؤثر على الصورة الإيجابية التي يحملها عن نفسه. في عمر الثالثة، يكون قد استوعب هذه التوقعات فيبدأ بالخوف من الفشل لأن الإخفاق يصبح مرادفاً لتخييب آمال والديه والمجازفة بفقدان حبهما. نتيجةً لذلك، ستنهار منافع نظام التعلّم عبر ارتكاب الأخطاء الذي ارتكز عليه نمو الطفل حتى هذه المرحلة، لأن الفرد الذي يخشى ارتكاب الأخطاء لن يجرؤ على أخذ المجازفات.


6- أعطِهِ الحق بالتصرّف على سجيّته

قد يظهر هذا الخوف من الفشل منذ عمر الثالثة ويلازمه لسنوات طويلة، وسرعان ما يترسخ هذا الشعور السلبي لديه بسبب النظام المدرسي. بما أن الزي موحّد في المدرسة، لن يتمكن من التعبير عن نزعته الفردية التي تُميّزه عن الآخرين. منذ مرحلة الحضانة، تُصمَّم المعايير كي تناسب معظم التلاميذ. لكن إذا لم تكن تلك المعايير مناسبة لهوية الطفل وشخصيته، قد يجعله "اختلافه" عن غيره يشعر بالفشل ولا مفر من أن تتضرر ثقته بنفسه في هذه الحالة. يكرر المعلمون دوماً أن الطفل من حقه أن يخطئ. لكن منذ الصفوف الابتدائية، يُقابَل كل خطأ بعقاب.

الطفل كنز لم نكتشفه بعد! لضمان انفتاحه على العالم، يجب أن يشعر بأننا نهتم بما سيصبح عليه وبرغباته أو نقاط قوته. ومن الضروري أن يشعر بالراحة بوجود والديه لمجرّد أن يتصرف على سجيته. حاولي إذاً أن تكبحي رغباتك الخاصة كي يتمكن طفلك من تطوير شخصيته وقدراته الذاتية ويكشف لك أسراره الخفية.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.