كيف علّمت أولادي حبّ القراءة في عصر التكنولوجيا؟

14 : 00

تبلغ ابنتي فلورا 8 سنوات وهي تحب القراءة كثيراً. قد نجدها مع كتاب في يدها في أي مكان، حتى أنها تقرأ تحت لحافها على ضوء مصباح صغير إذا سنحت لها الفرصة. يشجّع اليوم العالمي للكتاب الأولاد في كل مكان على الاحتفال بالكتب والاستمتاع بقراءتها، ويُركّز هذا الحدث على متعة تقاسم القصص مع الآخرين هذه السنة. لكني أحزن دوماً حين يتفاجأ الناس برؤية ابنتي تستمتع بالقراءة في أماكن عامة.

عندما تقرأ في المطعم مثلاً، يخبرني النادل بأن انغماس أي طفل في قراءة كتاب بدل الالتصاق بهاتفه أصبح مشهداً نادراً. وفي المتاجر الصغيرة، غالباً ما تنزوي فلورا وحدها للقراءة ثم أناديها للمغادرة، فتتدخل البائعة وتتوسل إليّ كي لا أزعجها. ثم تهمس لي بنبرة تعجّب: "أنظري إليها. إنها تقرأ"!

في الصيف الماضي، اقتربت منا سيدة متقدمة في السن حين كنا في الحديقة لأنها لاحظت أن فلورا تابعت القراءة طوال نصف ساعة متواصلة. فقالت لي بكل سعادة: "لم نعد نصادف هذا المشهد اليوم. لم أكن أظن أن الأولاد ما زالوا يقرأون بهذه الطريقة".

يبدو أن محبي القراءة مثل فلورا بدأوا ينقرضون! يكشف بحث أجراه "الصندوق الوطني لمحو الأمية" ونشرته صحيفة "أوبسرفر" حديثاً أن 53% من الأولاد فقط استمتعوا بالقراءة في العام 2019، بعدما بلغت تلك النسبة 59% في العام 2016. ويقرأ ربعهم فقط يومياً، مقارنةً بـ43% في العام 2015. وبحسب استطلاع جديد آخر، يفضّل معظم الأولاد من جميع الأعمار الشاشات على الكتب اليوم.كيف نستطيع إذاً أن نربّي أولاداً يحبون القراءة في العام 2020؟ أنا شخصياً بدأتُ إعطاء الأولوية لعامل المتعة. لم يكن زوجي يمانع في قراءة الكتب نفسها لفلورا كل ليلة، لكني اعتبرتُ هذا النشاط مملاً.

لذا بحثتُ في متاجر الكتب المستعملة ومعارض المدارس واخترتُ مجموعة كبيرة من الكتب المصوّرة التي أريدها أن تقرأها: إنها خليط من المؤلفات الكلاسيكية وأعلى الكتب مبيعاً في الوقت الراهن. في هذه المرحلة بالذات، بدأتُ ألاحظ نمطاً ثابتاً في مختلف الكتب.

كانت الشخصيات الذكورية تطغى على جميع الكتب المصورة. نادراً ما تكون بطولة القصة نسائية، ولا نجد الإناث أيضاً بدور الأعداء أو الحيوانات المفترسة إلا نادراً. كانت معظم الشخصيات ذكورية بغض النظر عن تاريخ نشر الكتاب، وبدت حواراتها أطول من الشخصيات النسائية دوماً.

حتى اليوم، حين تقرأ فلورا قصصها، تكون شخصيات الروبوتات والديناصورات والذئاب نسائية دوماً. هي تكتب عن البطلات الشجاعات اللواتي يذهبن في مغامرات متنوعة ويحاربن شخصيات نسائية مخيفة. لكنها لا تحصر مخيّلتها بالحكايات النسائية، بل تعيد صياغة القصص التي قرأتها.

أظن أن تغيير جنس الشخصيات في تلك الكتب التي يطغى عليها الرجال ساعدها منذ عمر مبكر على الاستمتاع بالقراءة. كانت ترى نفسها في الكتب التي أقرأها لها وتتماهى بسهولة مع الشخصيات الرئيسة. وعلى عكس الأولاد الآخرين، لم يكن لها يوماً كتاب مفضّل واحد. فلا تطلب تكرار الكتاب نفسه بل تطالب بكتب إضافية.

حين بدأت فلورا تتعلم القراءة في المدرسة، كانت تعرف أصلاً مفردات كثيرة وتجيد فهم حبكات القصص، ما ساهم في تسهيل مسار تعلّمها. وحين تواجه المصاعب، كنت أخبرها بأن القراءة هي أشبه بحيازة مفتاح سحري، بمعنى أنه يفتح لنا عوالم جديدة. أظن أنها فهمت معنى هذا الكلام. بدل أن تكتفي بالقراءة بصوت مرتفع، كانت تحضّر "كتبها الصوتية" الخاصة، فتسجّل صوتها وهي تقرأ لي ثم تصغي إليه وتتابع النص بإصبعها. لاحظتُ أن هذه التجربة تزيد متعة القراءة لديها.

في نهاية الصيف اللاحق، ذهبنا إلى حد التوقف عن مشاهدة التلفزيون بالكامل، باستثناء نشرة الأخبار وفيلم واحد من وقت لآخر. كذلك، منعتُها من استعمال الهواتف الذكية والحواسب اللوحية، باستثناء الكتب الصوتية. وحاولتُ أن أشجّعها على تخصيص فترة يومية للقيام بنشاطات بعد المدرسة. ثم اشتريتُ لها كتابThe Enchanted Wood (الخشب المسحور) وانتظرتُ أن تشعر بالملل في أحد الأيام كي أقدّمه لها، على أمل ألا تعتبر قراءة فصل كامل نشاطاً مخيفاً لأن النص كان مألوفاً بالنسبة إليها.

كانت تلك التجربة مثمرة لأقصى الدرجات. في عمر الخامسة، غرقت فلورا في عالم القراءة الصامتة. كان ولعها بمؤلفات إينيد بلايتون غير محدود، وقد امتلأت متاجر الكتب المستعملة بها لحسن الحظ. بدأنا نأخذ الكتب معنا إلى كل مكان وتكررت زياراتنا إلى المكتبات. اعتدتُ على تمضية ساعة هناك، وكنت أسمح لها باختيار الكتب بنفسها. هكذا اكتشفت مجموعات مثل Horrid Henry (هنري البغيض) وRainbow Fairies (جنّيات قوس قزح) وتعلّقت بها. كانت تقرأ جميع كتب رولد دال مرتين، ثم تغوص في مؤلفات ديفيد واليامز وأندي ستانتون. يجعلها الكتّاب المضحكون تقهقه عالياً: تلقّت كتبDiary of a Wimpy Kid (يوميات ولد جبان) في عيد ميلادها السابع ولم تتوقف عن قراءة هذه السلسلة وتكرارها منذ ذلك الحين.

انا واثقة من أنها لا تفهم كل ما تقرأه، لكنها لا تهتم بذلك. هي تقرأ من باب المتعة لأنها تحب الكتب بكل بساطة، وأظن أن حبها هذا سيلازمها دوماً. في النهاية هي مولعة بالكتب منذ الصغر.

 

6 خطوات لتعليم ابنك حب القراءة 


  • تقاسمي متعة القراءة مع ابنك! تبادلا قراءة الكتب بصوت مرتفع أو نزّلي كتباً صوتية وأصغيا إليها معاً.
  • شجّعيه على قراءة أي نوع من الكتب من باب المتعة. بعبارة أخرى، لا أهمية لنوع الكتاب طالما يستمتع به!
  • اصطحبيه إلى المكتبة وأعطيه الوقت الكافي لاختيار الكتب التي يفضّلها.
  • قد تكون متاجر الكتب المستعملة أماكن ممتعة للبحث عن الكتب فيها.
  • خصصي مساحة معينة للطفل كي يقرأ في أوقات فراغه.
  • احملي معك كتاباً أو اثنين أينما ذهبتما.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.