رفيق خوري

تراجيديا النزول من دولة الى قضية

3 دقائق للقراءة

ليس أخطر من "عبادة الشخص" سوى "عبادة القضية". والأخطر منهما هو توظيف الشخص للقضية في "سياسة عدمية" تكدس تضحيات الشعب من دون أن تقود الى حل. هذا ما دفعنا ثمنه في حرب لبنان ولا نزال. وما دفعه الفلسطينيون والعرب جميعاً في سياسات الصراع مع إسرائيل وإدارة القضية الفلسطينية. وما يواجه الشرق الأوسط من تحديات تفرضها قضية "الثورة الإسلامية" في إيران. فالقضية، ولو كانت قضية طموح ضد قوة الأشياء، يضعفها الجمود كما التحرك الخاطئ. والثورة هي مجرد صراع على السلطة إن لم تكن وسيلة لبناء دولة يستحقها شعبها وتاريخه.

ذلك أن أساس النضال الفلسطيني وحلم القائمين به هو الإنتقال من القضية الى الدولة. وكابوس اللبنانيين هو دفعهم بالقوة الى التحول من دولة الى قضية. ومشكلة الثورة الإيرانية هي الإصرار على البقاء ثورة وقضية بدل التركيز على الدولة. تجربة فلسطين معبّرة: لا "إتفاق أوسلو" قاد الى الدولة التي تريدها السلطة الوطنية وترفضها إسرائيل. ولا إطلاق الصواريخ من غزة ولبنان وسوريا يؤدي الى دولة. وتجربة لبنان أخطر لأنها التخلي عن الدولة من أجل قضية. أية قضية؟. لا قضية بسيطة بل قضية معقدة ومثلثة الأبعاد. البعد الاول هو الطموح الى تغيير جذري في النظام الطائفي. وهذا ما إصطدم دائماً بحواجز قوية وبدا مهمة صعبة جداً إن لم تكن مستحيلة، حتى عندما إنهارت الدولة، إذ بقي النظام. البعد الثاني هو أن يكون لبنان الجبهة الأمامية لتحرير فلسطين، سواء أيام المقاومة الفلسطينية أو أيام المقاومة الإسلامية التي يقودها "حزب الله". وهذه مهمة جوّفت مؤسسات الدولة وسمحت للمافيا الحاكمة والمتحكمة بالسطو على المال العام والخاص من دون محاسبة، وللمسؤولين عن جريمة العصر في تفجير المرفأ وتدمير نصف بيروت بتعطيل القضاء ومنع العدالة، من دون تحرير شبر واحد.

والبعد الثالث المرتبط بالثاني هو أن يكون لبنان ضمن "محور المقاومة" وشعار "وحدة الساحات" في إطار المشروع الإقليمي الإيراني، وبالتالي قضية "تصحيح" التاريخ الإسلامي والتحضير لدولة "صاحب الزمان". ولا احد يجهل، بصرف النظر عن قوة الإيديولوجيا وحتى الإيديولوجيا المسلّحة، ما دون الوصول الى ذلك من تضاريس داخلية معقدة، وتحولات وحسابات وصراعات جيوسياسية وإستراتيجية إقليمية ودولية.

يروي عبد الحليم خدام في مذكراته كيف أرسلت طهران عام 1982 لواء من الحرس الثوري الى سوريا بالإتفاق معها، وتوجه قسم كبير منه الى بعلبك وتشكيل "حزب الله"، ثم يقول: "إن الرئيس حافظ الأسد لم يكن قلقاً من النفوذ الإيراني والتمدد ومن بناء طهران قاعدة عسكرية وسياسية في لبنان تهدف لخدمة إستراتيجيتها، وكان في ذهنه دائماً صدام حسين من جهة، ولبنان من جهة أخرى، وفي المسألتين إيران هي الحليف". والحليف اليوم في سوريا، لا فقط في لبنان والعراق.

"لا سلام مع قوة ثورية" كما قال مترنيخ الذي "هندس" سلام أوروبا في مرحلة ما بعد حروب نابوليون في أوائل القرن التاسع عشر.