لم تخرج وقائع اليوم الأول من جلسة مناقشة الموازنة تحت قبة البرلمان بشقيها الصباحي والمسائي عن السياق أو السقف المرسوم للتهدئة السياسية التي يعمل عليها بشكل أساسي رئيس مجلس النواب نبيه بري، ما خلا السجال في الجولة المسائية بين رئيس الحكومة سعد الحريري ونائب رئيس حزب "القوات اللبنانية" النائب جورج عدوان على خلفية إنتقاد عدوان للسياسة النقدية للحكومة وأداء مصرف لبنان، وهو الأمر الذي سرعان ما تبدد قبل إنتهاء الجلسة لتعود الأمور إلى طبيعتها وليجلس عدوان لفترة طويلة إلى جانب الحريري في المقاعد الحكومية تأكيداً على طي الصفحة سريعاً وإبقاء الأمور في مكانها وضمن محاضر الجلسة وربما ضغط النقل المباشر لوقائع الجلسة.
وبمعزل عن الاتصالات واللقاءات الجانبية التي شهدتها أروقة ومكتب رئيس المجلس التي كانت تتابع ملفي التسوية السياسية لعودة الحكومة إلى الإنعقاد وتجاوز أزمة الجبل الأخيرة، والبحث عن مخرج لقضية قطوعات الحسابات ودستورية نشر الموازنة، فإن وقائع الجلسة التي سجلت في الجولتين الصباحية والمسائية 17 مداخلة نيابية إضافة إلى تقرير لجنة المال الذي تلاه رئيس اللجنة إبراهيم كنعان، وكانت "نداء الوطن" نشرت ملخصاً عنه في عدد الأمس، شهدت المزيد من المواقف المنتقدة لمشروع الموازنة معلنة التصويت ضدها أو إمتناعاً لأنها تشبه كل شيء إلا الموازنة ولا تقارب الإصلاحات المطلوبة في الظروف الإستثنائية والصعبة إقتصادياً التي تمر بها البلاد.
وكان الموقف الأكثر وضوحاً وتشدداً في الرفض للموازنة لكتلة "القوات" والذي عبر عنه كل من النائبة ستريدا جعجع والنائب جورج عدوان الذي جدد المطالبة بتطبيق قانون النقد والتسليف في حسابات مصرف لبنان وتحديداً المادتين 113 و117 كما تناول ضياع مبلغ أكثر من 4 مليارات دولار من مداخيل الاتصالات خلال السنوات الماضية، متسائلاً عن ضبط الحدود والتهرب الضريبي وعن الملفات الكبرى التي تذهب إلى القضاء ولا تعود، واصفاً الموازنة كمن يعالج مريضاً بالسرطان بأدوية الأسبرين.
وتطرق عدوان إلى تقرير صندوق النقد الدولي وما تضمنه من إجراءات مطلوبة من الحكومة. وما أن إنتهى عدوان من مداخلته حتى طلب الرئيس الحريري الكلام بالنظام ورد بانفعال على مداخلة عدوان مطالباً الحديث بمسؤولية عن الإستقرار النقدي والمالي في البلد وكاشفاً بأن صندوق النقد الدولي طلب رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 15% وترك الليرة متحركة وإضافة 5000 ليرة على البنزين، وبالتالي "نحن نعمل مصلحتنا ومصلحة البلد وهذه الموازنة ليست كما نتمنى جميعاً ونحاول حل مشاكل عمرها أكثر من 15 سنة إن كان بالنسبة للهيئات الناظمة أو غيرها"، داعياً إلى "عدم الحديث بما يمس الاستقرار المالي أمام الخارج، والحكومة تتقدم من مجلس النواب بالمشاريع والمجلس يُقرر وأنتم لديكم مطلق الحرية بالتصويت مع هذا المشروع أو ضده".
وكان لافتاً دعوة الحريري النواب والجميع لمهاجمة الحكومة وهو شخصياً كما يشاؤون ولكن بعيداً عما يمس بالإستقرار النقدي. مداخلة الحريري إستدعت رداً من عدوان أكد فيه حقه في ممارسة دوره الرقابي كنائب وككتلة نيابية.
وكانت الجلسة بدأت صباحاً بمداخلة للنائب ميشال معوض تميزت بمساءلته لبري عن جلسات المساءلة النيابية للحكومة وبوصف الموازنة بأنها "هبوط إضطراري"، بينما استعاد النائب حسن فضل الله التذكير بملفات الفساد والهدر ومحاسبة المرتكبين ووجود مستندات لدى النيابة العامة المالية تشكك بمصداقية السلطة السياسية، واصفاً الفساد بالإحتلال الذي يحتاج إلى نفس طويل للإنتصار عليه.
وتقاطعت مداخلات النواب جميل السيد، ستريدا جعجع، بلال عبدالله، نزيه نجم، أنور الخليل، محمد خواجة، ياسين جابر، ميشال ضاهر وليد البعريني، فريد الخازن، عدنان طرابلسي، طارق المرعبي، سليم سعادة وهاني قبيسي، حول ملفات الفساد ووقف الهدر واقتحام "المحميات السياسية والطائفية والحزبية والمذهبية"، حتى وإن كان كل نائب من زاويته وبطريقته. فجميل السيد يشترط التصويت مع الموازنة بإدخال مادة إلى متنها تُخضع كل هذه المؤسسات التي يصفها النواب بالمحميات للرقابة والتدقيق وإخضاعها للمالية العامة في الصرف. بينما تميزت مداخلة النائب فريد الخازن، الذي أعلن الإمتناع عن التصويت على الموازنة، بوصفه السلطة الحاكمة بجزيرة حكم الأقوياء، متمنياً تخطي قطوع قبرشمون و"عدم تعرضنا لقبرشمون اقتصادي واجتماعي"، وهو الأمر الذي استدعى من الرئيس بري التدخل والتمني عليه عدم مقاربة هذا الملف.
ولأن الرئيس بري يحرص على إضفاء جو من المرح على الجلسات فلم يمر سؤال النائب عاصم عراجي عن مصير النواب الذين غادروا القاعة وتمت مناداتهم بأسمائهم، فأجاب بري مازحاً: "في هذين اليومين نضعهم في السجن".
وبينما سجل النائب سليم سعادة معادلة حسابية تقتضي ذهاب ديوان المحاسبة إلى وزارة المالية للتدقيق بالحسابات وليس العكس، كان ملفتاً الهجوم المركز الذي قاده النائب هاني قبيسي ضد الجمارك والتهريب والمهربين الذين أصبحوا أقوى من الدولة، بينما قارب في أول طلة له النائب طارق المرعبي الأمور من منطلق الرؤية الشبابية لمستقبل البلد. ويتابع المجلس اليوم المداخلات النيابية على أمل أن تنتهي عشية يوم الخميس ويُصار إلى التصويت على الموازنة وإقرارها.